وقوله زلت استعارة حسنة. كأن صبره على الشدة، وثباته في وجه المحنة، تزل النوب عنه كما يزل الماء الدنس عن الصخور، ويقال: قدح زلول، كما يقال للشيء السريع الدوران: درور. والتترتر: العجلة، فكأن المراد: زلت النائبة ولم تستخفني فكنت أعجل أو أتحول عما كنت عليه.
يراني العدو بعد غب لقائه ... خليًا نعيم البال لم أتغير
يقول: وإذا قاسيت من العدو مضارة ومناكدة فيما يتجاذبهومجاحشة، يراني بعد يوم لقائه بيوم وكأنه ما مسني أذى، ولا نالني مكروه، لأنه يجدني خليًا منعم البال، لم اتغير عما عهدت عليه قبل الامتحان به، ولم أتبذل. وقوله نعيم البال هو من الضوال التي وجدت الآن، وذاك لأن فعيلًا في معنى مفعل معدود محصور، وقد ذكرته في غير هذا الموضع وتقصيته. ونعيم البال من ذلك، يقال: أنعم الله بالك، وبال منعم ونعيم. ولا يمتنع أن يكون نعيم فعيلًا من نعم أو نعم عيشه، وأكثر ما يستعمل مصدرًا. يقول: هو في نعيم لا يزول، وغذا كان كذلك فهو غريب إن جعلته اسم الفاعل، كقدم فهو قديم أو حزن فهو حزين؛ أو فعيلًا في معنى مفعل، كفرس حبيس ومحبس، وباب تريص ومترص. وانتصب خليا؟ ً على الحال من يراني، وهو الذي لا هم له. وفي المثل. ويل للشجي من الخلي وقد يكون في غير هذا المكان المخلى.
وراكدة عتبي طويل صيامها ... قسمت على ضوء من النار مبصر
طروقًا فلم أفحش وقسمت لحمها ... إذا اجتنب العافون نار العذور
يعني بالراكدة قدرًا لانتصابها وبقائها على الأثافي. ويقال: ماء راكد، أي ساكن. وجعلها عتبى لغليانها كأنها تعتب وتشكو. وهذا من عتب عليه من الموجدة. يقال: عتبت عليه فأعتب. ويروى: غيري يكون من الغيرة، لأن صاحبها يحتد، فشبه غليانها بغليان الغيرى. وفي الحديث:"ردوني إلى أهلي غيري نغرة". والصيام: القيام. ووصفه بالطول، فقال: طويل صيامها لكبرها. كأنه لا تنزل قريبًا إذا نصبت.