جعل قدور قومه متبجحًا بها، منصوبة في كل وقت. وجعلها لكبرها مشبهة بخر كاهات الترك وقد جللت وألبست أغطية سوداء. وقوله كأن الموفدين لها، يريد المزاولين لها في نصبها وإنزالها، وطبخها وتهيئتها. والموفد: المشرف على الشيء العالي له. وانتصب ملبسة الجلال على الحال. وشبه الموفدين في سواد ثيابهم وتدنسها بالغمر وتلطخها بالدرن بجمال مطلية بالقطران. والزفت، عهو القار، وقال الدريدي: أصله معرب، وقد تكلمت العرب به كثيرًا، وفي الحديث: نهى عن الدباء والمزفت. ويقال: طلاه كذا وبكذا، فهو مطلي.
وقوله بأيديهم مغارف من حديد جعل القدور كالأنهيار او البحور، والمغارف لها كالدوالي المقيرة، لاحتمالها الماء من الأنهار وصبها إلى أعاليها. وجعل المغارف سودًا لما علق بها في الممارسة من سواد القدور والنار، ومن زهومة اللحم والشحم. وقوله أشبهها مقيرة الدوالي، يقال: شبهته كذا وبكذا. وموضع الجملة رفع على الصفة للمغارف.
وقال آخر:
أعاذل بكيني لأضياف ليلة ... نزور القرى أمست بليلًا شمالها
أعامر مهلًا لا تلمني ولا تكن ... خفيًا إذا الخيرات عدت رجالها
بكيني، أي أكثري البكاء لي وكرريه، من أجل أضياف ليلة قليلة القرى، لإمساك الناس عن الإنفاق، وإعوازهم الزاد، وقد أمست ريح الشمال فيها ذات بلل وشفان للندى البرد، فإذا ورودوا فقدوا حسن تفقدي لهم، وتوفري عليهم. وقوله أعامر مهلًا جمع على نفسه لائمة ولائمًا، فيقول: يا عامر رفقًا في عتبك علي، ولومك إياي، واقتج بي في طلب السمو والاستعلاء على الأفران. فأما انتقاله عن ذكر اللائمة إلى مذكر، فمثله قول تأبط شرا:
يامن لعذالة خذالة أشب ... حرق باللوم جلدي أي تحراق