فهرس الكتاب

الصفحة 1258 من 1295

وقوله"مستعجلين إلى ركيٍ آجنٍ"، أراد: مبادرين إلى بئرٍ متغيرة الماء، فلما وردوها بعيدة العهد بالإنس، لأن المفازة التي يقصدها بالوصف كانت غير مسلوكةٍ لهم إلا في النادر، وإنما يرد الماء بها الطير والوحش. وارتفع"عهد الماء"بقوله هيهات، وهو اسم لبعد. والمراد ركيٌ متغير بعد عهد مائه بالإنس. وقد روى عهد الماء بالأمس"ويكون على هذا عهد الماء مرتفعًا بالابتداء، وبالأمس خبره. وأتى بلفظة"هيهات"على طريق الاستبعاد، كأنه قال: إلى ركيٍ آجنٍ بعد المطلوب والمبتغى. ثم قال"عهد الماء بالأمس"، أي كان الماء في وقتٍ متقادمٍ. والرواية الأولى أصح وأجود وأحسن. وفي طريقته قول الشماخ:"

وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين

ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين

وقال ذو الرمة:

وماء بعيد العهد بالناس آجنٍ ... كأن الدبا ماء الغضا فيه يبصق

وردت اعتسافًا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماءٍ محلق

مستعجلين فمشتوٍ ومعالجٌ ... نقبًا بخف جلالةٍ عنس

ومهومٍ ركب الشمال كأنما ... بفؤاده عرضٌ من المس

أعاد لفظ"مستعجلين"تأكيدًا، والأول منهما حال للركب. وقوله"فمشتوٍ"مبتدأ وخبره مضمر. كأنه قال على الاستئناف: فمنهم مشتوٍ ومنهم معالجٌ نقبًا، ومنهم مهومٌ. وذكره للمشتوي وغيره ليري ضيق الوقت، وأن آرابهم لم تقض فيه عند نزولهم: من الأكل وإصلاح عواض السفر، إلى سائر ما أحاط التعداد به ودل عليه، فإنه أزعجهم وهيجهم للارتحال. والنقب: الحفى. والجلالة: الناقة العظيمة الجسم. والعنس: الصلبة.

وقوله"ومهوم"أراد: ورب رجلٍ نائمٍ لما نبهه ركب شماله لغلبة النوم عليه، وكأنما بقلبه عرضٌ من الجنون. والمراد بقوله"ركب الشمال"أنه أخطأ في القصد. ومن قولهم ركب شؤمهوركب الشق الأشأم، للعادل عن سواء السبيل، وللمنهزم والمخطئ. ويجوز أن يريد بقوله:"ركب الشمال"شمال نفسه، والراكب إذا لم يزغ من شرطه أن يركب من يمين نفسه وشمال مركبه، ومتى ركب من شمال نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت