ذكر المدائني"في كتاب العققة"، أن هذا الشعر لحكيم بن ضرار الضبي، قاله لابنه وكان غزا وترك أباه. وذكر غيره أنه حكيم بن قبيصة، وأن ابنه كان فارقه مهاجرًا البدو إلى الأمصار. يقول: وبقاء أبي بشرٍ - يعني نفسه - لقد خانه بشر، يعني ابنه، في وقتٍ كان يشتد فقره إليه. يشير إلى أوان كبرتهٍ وضعفه، وتعليقه الرجاء بالانتفاع به وتحمله أعباء المؤن عنه في ظعنه وإقامته. فقوله"على ساعة"في موضع الحال، وتعلق على بفعل مضمر، كأنه قال: مشرفًا على وقت هكذا. وقوله"إلى صاحب"في موضع النصب على الصفة المتقدمة، لأن المراد: فيها فقر إلى صاحبٍ، وصفة النكرة إذا قدمت عليه صارت حالا. على هذا قوله:
لمية موحشًا طلل
وقوله"فما جنة الفردوس"جنة انتصب على أنه مفعول تبتغي، وتبتغي في موضع الحال، والتقدير: ما هاجرت مبتغيًا جنة الفردوس. ووجه هذا الكلام نحو الابن معيرًا. يريد أن الذي دعاك إلى الهجرةنهمة بطنك، ورغبتك في أطعمة الحضر، لا الدين وطلب الآخرة، إذ كان ذلك يفرض عليك طاعة أبويك، وطلب رضاهما. وقوله"أحسب"قد حذف فيه مفعولاه، فهو كقول الآخر:
ترى حبهم عارًا علي وتحسب
وفي الكلام مع التعيير تقريع وتهكم وسخريٌ.
أقرصٌ تصلى ظهره نبطيةٌ ... بتنورها حتى يطير له قشر
أحب إليك أم لقاحٌ كثيرةٌ ... معطفةٌ فيها الجليلة والبكر
هذا الاستفهام أتى به على طريق التبكيت، وليريه الخطأ فيما اختاره من الحضر إلى البدو، ومن ترك والده والعصيان له أشد ما كان حاجةً إليه. فقال: أقرصٌ تنضجه في التنور امرأةٌ خبازة نبطية حتى يصير له قرافة تتقشر عنه، أحب إليك أم نوق حوامل كثيرة قد عطفت على أولادها، وفيها الجلالة الكبيرة والأفتاء القوية. يريد أن فعله فعل من لا يفرق بين هاتين الخصلتين، ولا يميز الرجحان في أي جانبيهما يكون