إني ومن سمك السماء مكانها ... والبدر ليلة نصفها وهلالها
آليت أثقف منهم ذا لحيةٍ ... أبدًا فتنظر عينه في مالها
أقسم بمن سمك السماء، وهو الله عز وجل. ومعنى سمك رفع، ومنه سمي عمود البيت المسماك. وجواب القسم في آليت أثقف، وهو خبر إن أيضًا. وقوله"ليلة نصفها"أضاف النصف إلى السماء لما كان استكمال البدر عند انتصاف الشهر في السماء، فلاجتماعهما في ظهور البدر كاملًا في السماء ساغت الإضافة بينهما، على عادتهم في إضافة الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبةٍ تحصل بينهما. وعلى هذا قول الآخر:
ضوء برق ووابله
إذ كان أضاف الوابل إلى البرق لاصطحابهما. وأبعد منه قول الآخر:
نحن صبحنا عامرًا في دارها ... عشية الهلال أو سرارها
وأضاف السرار إلى العشية لاعتقاده أن استسرار القمر في العشيات، كما أن طلوعه فيها. وعلى هذا الكلام في إضافة قوله"وهلالها"وإن كان إضافة الهلال إلى السماء أبين أمرًا، وأقرب متصورًا. فالتقدير ليلة كماله في نصف الشهر، وليله إهلاله. و"مكانها"انتصبت على الظرف، والمعنى حلفت بالله الذي رفع السماء في مكانها بلا عمدٍ - وجعل البدر فيها كاملًا عند انتصاف الشهر، وهلالًا عند أوله في ليلتيهما - إني لا أثقف من هؤلاء القوم ملتحيًا أبدًا ناظرًا عينه في ماله، وراجعًا من مقصده إلى أهله وداره. أي إذا ثقفته قتلته حتى لم تنظر عينه في ماله، ولم يستقر بعده في داره وقراره. وقوله"أثقف"هو الجواب، وحذف معه لا لأنه أمن التباسه بالواجب، إذ لو أراد الواجب لقال لأثقفن، فلما كانت صيغة الواجب بما يلزمها من اللام وإحدى النونين الثقيلة أو الخفيفة لم يبال بحذف حرف النفي. ومثله قول الآخر:
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ... وإن ضربوا