ألم تعلمى أني إذا الإلف قادني ... إلى الجور لا أنقاد والإلف جائر
معنى هذا يماثل قول الله تعالى:"عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم". وفي مثله قال غيره:
كم فرحةٍ مطويةٍ ... لك تحت أثناء النوائب
ومساءةٍ قد أقبلت ... من حيث تنتظر المواهب
ويقال قضاه وقضى به. وقوله وفي بعض الهوى أراد به: وقضى له في بعض المحاب ما يحاذر؛ فوضع الهوى موضع المحاب لأن كل محبوبٍ يصحبه الهوى، كما أن قوله ما يحاذر موضوعٌ موضع الغواية لكونه في مقابلة الرد، إذ كان الغي من حقه أن يحاذر. وقوله ألم تعلمى تنبيهٌ على مكانة من الرأي، وأن ظنه يقوم مقام عيان غيره. وألف الاستفهام إذا اقترن بحرف النفي يقرر به فيما يجب ويحق، فيقول: أما عرفت من دأبي وطبيعتي، أني لا أتبع الغير، ولا أنقاد لما يجانب العدل، فمتى سامني أليفي مطاوعته فيما لا أستوفقه أبيت عليه، وتركته وما يختار من الاعتساف وركوب الجور والضلال. وكان يجب أن يقول: لا أنقاد وهو جائرٌ، فوضع الظاهر موضع المضمر.
غزا مجمع بن هلالٍ ابن خالد بن مالك بن هلال بن الحارث بن تيم الله، يريد بني سعد بن زيد مناة، فلم يغنم ورجع من عزاته تلك، فمر بماءٍ لبني تميمٍ عليه ناسٌ من مجاشعٍ، فقتل فيهم وأسر، فقال في ذلك:
إن أمس ما شيخًا كبيرًا فطال ما ... عمرت ولكن لا أرى العمر ينفع
قوله ما شيخًا، ما زائدة للتأكيد. يقول: إن صرت شيخًا طاعنًا في السن، وضارعًا لنائبة الدهر، مهدفًا لسهامه، مقرعًا بلياليه وأيامه، فحق ذلك واجبٌ، لأن من يعش يكبر ومن يكبر يهرم، وطول العمر لا يجدي إذا كان مؤداه إلى الضعف، وقصاراه الموت. وقوله طال ما عمرت يجوز أن يكون ما مع الفعل في تقدير المصدر، ويكون حينئذ حرفًا عند سيبويه، والتقدير: فقد طال عمري. وعلى هذا