فطاعنت عنه الخيل حتى تبددت ... وحتى علاني حالك اللون أسود
قتال امرئٍ آسى أخاه بنفسه ... ويعلم أن المرء غير مخلد
يقول: دافعت الخيل - يعني الفرسان - عنه حتى انكشفوا، وإلى أن جرحت فسال الدم علي، وكان ذلك مني دفاع رجلٍ جعل نفسه إسوة أخيه، واختار لها مثل ما سيق إليه، عالمًا بأن المرء لا يبقى، بل مآله إلى الفناء، وأن استقتاله ليلحق بأخيه خيرٌ له من أن يبقى بعده فيشقى بالجزع له وفيه. ويقال: هو يأتسي بفلانٍ، أي رضي لنفسه ما رضي ذاك لنفسه. والمواساة والتأسي والائتساء واحد. وقوله: حتى علاني حالك اللون أسود، فيه إقواءٌ، وكثيرٌ من العلماء يهونون الأمر في الإقواء ولا يعدونه عيبًا قبيحا. وحكي عن الأخفش أنه قال: ما أنشدتني العرب قصيدةً سلمت من الإقواء طالت أو قصرت. ويروى:"وحتى علاني حالكٌ لون أسود"، والضعف فيه ظاهر. ألا ترى أنه قال حالكٌ وهو الشديد السواد، ثم قال لون أسود. وفي إضافة لون إلى أسود ما لا يرتضى. وأجود من هذا أن يروى: حالك اللون أسودي وهو يريد أسوديٌ، كما قيل في الأحمر الأحمري، وفي الدوار دواريٌ، ثم خففت ياء النسبة بحذف أحدهما، وهو الأول، وجعل الثاني صلة.
فإن يك عبد الله خلى مكانه ... فما كان وقافًا ولا طائش اليد
قوله خلى مكانه أي مضى لسبيله. والوقاف: الجبان المتوقف فيما يعن له عجزًا وضعف قلب. ويقال: وقافةٌ أيضًا، والهاء للمبالغة، والطائش: الخفيف، ومنه الطياش. ويقال: هو طائش اليد، إذا عدل سهمه عن الهدف ولم يقصد قصده؛ ثم يقال: هو طائش اليد، إذا كان فيما يتولاه من الأعمال كذلك. يقول: إن كان عبد الله توفي وخلى ما كان يسده بنفسه وغنائه من أمر العشيرة وسياستهم، فلقد كان مقدامًا صائب الرأي، حليمًا فيما يأتيه، لا يطيش زهوًا، ولا يؤثر على الصواب شيئًا.
كميش الإزار خارجٌ نصف ساقه ... بعيدٌ من الآفات طلاع أنجد
الكمش والكميش: الخفيف السريع الحركة. يقال: انكمش في حاجتك، أي تخفف وأسرع. وأضاف الكميش إلى الإزار على المجاز كما يقال: عفيف الحجزة،