والمعنى فديت بنفسي صديقي اللذين نضب في البكاء لهما دموعي، وتأدى إلي الحزن إلى أن عمل في عقلي فأزاله، فدمعي وصبري مستنفدان لتأثير الفجيعة بهما. وجعل الفعل في تبرضا للخليلين، وحق الكلام تبرض الحزن لهما والبكاء عليهما دموعي، إلى أن أسرعا في عقلي فصار والهًا.
ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده ... ولكن إذا ما شئت أسعدني مثلي
قوله ما عشت في الناس أي مع الناس ومختلطًا بهم، فموضع في الناس نصبٌ على الحال، والكلام جواب لولا، وخير المبتدأ الذي هو الأسى محذوفٌ استغنى عنه بجواب لولا، والمعنى لولا أن لي بالناس إسوةً في مصائبهم، فأورثني ذاك تماسكًا وصبرًا، لقتلت نفسي فلم أعش ساعةً من عمري، ولكن متى شئت وجدت لنفسي أقرانًا إن دعوتهم أجابوني، وإن استسعدتهم أسعدوني. والإسعاد، قال الخليل: يستعمل في المساعدة على البكاء خاصةً، ومثله:
ولولا كثرةً الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وقال أيضًا:
أغر كمصباح الدجنة يتقى ... قذى الزاد حتى يستفاد أطايبه
الدجنة: الظلمة؛ وليلةٌ مدجانٌ. والدجن: إلباس الغيم؛ ويقال: هو يوم دجنٍ. وأراد بقوله أغر إنه كريمٌ نقي العرض أبيض الطلعة، فكأنه في تلألؤه ونور وجهه وتهلله مصباح الظلام. ومعنى"يتقي الزاد"أنه يزهد في خبائث الزاد وما يشين أخذه وتطعمه، إلى أن يستفيد الطيبات منه. ويشير بقذى الزاد إلى ما يفيء عليه غدرٌ أو غلول، أو مخانةٌ أو ابتذالٌ. ويشير بالطيب إلى ما كان من حله ووجهه، لا عار في اكتسابه، ولا بذلة في احتجانه. وبعض الناس روى: قدى الزاد، والقدى: