وقوله (إذا العزم لم يفرج) جوابه لم تزل جنيبًا. والمعنى: أنظر لنفسك فيما تشرف عليه طالبًا للحزم ثم اعزم، ودع التشكك والتلوم فيما يريك رأيك وإلا بقيت تابعًا لغيرك، متوقفًا فيما يمسك، كما يستتبع قائد الخيل مجنوبًا له. وهذا بعث على اقتحام الأمور، واستعمال الإستبداد فيها بعد النظر والتحزم في الظاهر، وترك التعرج على قول مانع، أو دفع مزاحم، أو مذكر بعاقبة. كما وصى في البيت الذي قبله بالرفق في الأمور التي تكسب العداوات، واستعمال الصبر فيما يجلب الضغائن ويهيج التراث.
وقل غناء عنك مال جمعته ... إذا كان ميراثًا وواراك لأحد
تجللت عارًا لا يزال يشبه ... سباب الرجال نثرهم والقصائد
المراد بذكر القلة هاهنا النفي، لا إثبات شيء قليل. وانتصب (غناء) على الحال، أي مغنيًا عنك. فيقول: لا يعني عنك مال تجمعه إذا ذهبت عنه وتركته لورثتك، فإن ما تملكه هو ماتنفقه أيام حياتك، وتصرفه فيما يدخر لك أجرًا، أو يكسب لك حمدًا، فأما إذا سترك من يلحد قبرك، فما تتركه لغيرك لا حظ لك فيه ولا نصيب، بل تكتسي عارًا منه لا يزال يوقد ناره، ويرفع في المحافل ذكره سباب الرجال، من النثر تارة، ومن النظم أخرى، لأن الباخل مذموم بكل لسان حيًا وميتًا، وفي كل زمان موجودًا ومفقودًا، ثم تراه كالجاني على كل من يعرفه، فهم يذمونه بظهر الغيب، ويقذعونه في الحضور، فلا يزال مسبوبًا، مأكول اللحم مدحورًا.
وقال:
ويلم لذات الشباب معيشة ... مع الكثر يعطاء الفتى المتلف الندى
وقد يعقل القل الفتى دون همه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجد
لفظه (ويل) إذا أضيفت بغير اللام فالوجه فيها النصب، تقول: ويل زيد، والمعنى ألزم الله زيدًا ويلًا، فإذا أضيفت باللام فقيل: ويل لزيد، فحكمه أن يرفع