وقوله (فما حسن أن تأتي الأمر طائعًا) في حسن وجوه: يجوز أن يكون مبتدأ، وجاز الابتداء به وهو نكرة لاعتماده على حرف النفي، و (أن تأتى) في موضع الفاعل لحسن، واستغنى بفاعله عن خبره، والتقدير: ما يحسن إتيانك الأمر طائعًا. وانتصب طائعًا على الحال من أن تأتي. ويجوز أن يرتفع حسن على أنه خبر مقدم، وأن تأتي في موضع المبتدأ. ويجوز أن يرتفع حسن بالابتداء وأن تأتي في موضع الخبر، وهذا أضعف الوجوه لكون المبتدأ نكرةً والخبر معرفة. وقوله (وتجزع أن داعي الصبابة) أن مخففة من أن الثقيلة، والمراد: وتجزع من أن داعي الصبابة أسمعك صوته ودعاك. ومعنى البيتين: شكوت شوقك إلى هذه المرأة، وأنت آثرت البعد عنها بعد أن كان حيًا كما مجتمعين، وليس بجميل اختيارك الأمر طائعًا غير مكره. وجزعك بعده، لأن داعي الشوق والعائد منه إليك أسمعك وحرك منك.
قفا ودعا نجدًا ومن حل بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا
يخاطب صاحبين له يستوقفهما ويكلفهما توديع نجد معه والناول بالحمى منه. ثم استأنف فقال ملتفتًا: ويقل لنج وساكنه التوديع من، لأن حقهما أعظم من ذلك، ولكنا لانقدر على غيره. والحمى: موضع فيه ماء وكلأ يمنع منه الناس. ويقال: أحميت المكان، إذا جعلته حمى. وحكى ابن الأعرابي أنهم يقولون للمكان وقد أبطل وأبيح ولم يحم: بهرج. وأنشد:
فخيرت بين حمىً وبهرج ... ما بين أجراذ إلى وادي الشجى
وقوله (أن يودعا) في موضع الفاعل لقل. ومعنى قوله (وليست عشيات الحمى برواجع) أنك وإن أفرطت في الجزع، فإن أوقات المواصلة بالحمى مع أحبابك لاتكاد تعود، ولكن أدم البكاء لها، مع التوجع في إثرها، تجد فيه راحةً. وفي هذا إلمام بقول الآخر:
فنلت له إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن ألا تلاقيا
وقوله (تدمعا) جواب الأمر. ولو قال تدمعان، لكان حالًا للعينين.
ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وحالت بنات الشوق يحنن نزعا