وقوله (فلما أعادت) يجوز أن يكون التفاتًا مفعول أعادت، وموضع بنظرة حالًا، كأنه قال: لما أعادت التفاتها ناظرة من بعيد إلى أسلمته. وجواب لما (أسلمته) وإلى تعلق بنظرة. ولا يجوز أن يتعلق بالتفاتًا، لأنه إذا جعل كذلك يكون صلة المصدر وقد قدمت على الموصول. ويجوز أن يكون بنظرة في موضع المفعول لأعادت، والباء إن شئت جعلتها مؤكدة، كما جاء في قول الآخر:
سود المحاجر لا يقرأن بالسور
ويصير (التفاتًا) مصدرًا في موضع الحال، والتقدير: لما أعادت نظرتها من بعيد إلى ملتفتة أسلمته. والهاء من أسلمته للدمع كما قدمته. والمحاجر: جمع المحجر، وهو ما يبدو من نقاب المرأة إذا تنقبت. والكية حول العينين يقال لها: التحجير. ويقال: حجر القمر، إذا استدار حوله خط رقيق.
وقال آخر:
ولما رأيت الكاشحين تتبعوا ... هوانا وأبدوا دوننا نظرًا شزرا
جعلت وما بي من جفاء ولا قلي ... أزوركم يومًا زأهجركم شهرًا
الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع، والكاشح: العدو الباطن العداوة. ويقال: هو بين الكشاحة والمكاشحة؛ ويقال: طوى فلان كشحه على كذا، إذا استمر عليه. وهذا كلام مبق على المحبوب، كاره لانتشار القالة فيهما، مختار لاستتار الهوى بينهما. فيقول: لما رأيت الوشاة يتتبعون أحوالنا بالنميمة وإفشاء أسرارنا، وأخذوا ينظرون إلينا نظر الأعداء بتحديق شديد، واستكشاف لما خفي من أمرنا بليغ، أقبلت أحترز وأقصر أشواطهم فيما ينتحونه من مساءتنا، والقعود والقيام بذكرنا، فأتأخر عن زيارتكم شهرًا وأوفيكم يومًا؛ هذا ولا أقصد جفاء ولا أضمر بغضًا، وإنما بي مضى أيامنا بالسلامة منهم، ورد كيدهم في نحورهم، ولئلا يجدوا مقالًا فيركبون عليه قصصًا وأنباء. وقوله (نظرًا شزرًا) يقال: هو يشزر الطرف إلى، إذا نظر نظرًا منكرًا يتبين