وهذا الذي أشار إليه حالة الحب إذا لم يكن عن اعتراض. لذلك قال أبو تمام:
هوى كان خلسًا إن من أبرح الهوى ... هوى جلت في أفيائه وهو جائل
كأنه يريد المحبوب فيفكر في محاسنه حالًا بعد حال، ووقتًا بعد وقت، ويستحلبها شيئًا بعد شيء، إلى أن يصير لها في قلب قادح ونازع، فيدفعه عن نفسه بأن يزيف تلك المحاسن، ويتناسى ويدرأ في صدر ذلك القادح من الهوى ويتأنى، فكلما قدر أنه تخلى عاوده الوسواس جذعًا، فلا يزال بين القبول والامتناع، والتماسك والانهيار، ومدافعة الداء بالدواء، إلى أن يصير الغلب للهوى.
والمعترض من الهوى هو الذي يقع عن أول وهله، فيسبي القلب في دفعة واحدة، إلا أن تركه أسرع، كما أن أخذه أسرع. على ذلك قول الأعشى:
علقتها عرضا
ومايجري مجراه. وهم يشبهون مثل هذا الهوى بنار توقد بضرام أو بعرفج وما يجري مجراه، فترتفع سريعًا وترجع سريعًا. وأنشد ابن الأعرابي بيتًافي قسمة الهوى زعم أنه لاثاني له، وأ، قائله لايعرف وهو:
ثلاثة أحباب فحب علاقة ... وحب تملاق وحب هو القتل
يعني ما يكون من تعمل وطول تأمل.
ولم أر مثلينا خليلي جنابة ... أدش على رغم العدو تصافيا
نبه بهذا الكلام على أنها مع المجانية واستعمال الحذر، واستدفاع شر الرقباء والحافظين بترك الورود والصدر، وإكساد سوق الوشاة والنمامين بإخماد نائرة الخبر، يصافي كل واحد منهما صاحبه، حتى لاخلل في الهوى ولافساد، ولا استزادة في الحب ولاعتاب، ولاتسلط تهمة لعارض تسل وحؤول عن عهد.