وقوله حبذا حب فعل، والأصل في حبب، وذا أشير به إلى الشيء، ولذلك وقع للمذكر والمؤنث على حالة واحدة فقلت: حبذا زيد، وحبذا هند؛ لأن لفظة الشيء يشمل المذكر والمؤنث، والواحد والجمع. فهو كما، وضع للجنس.
إذا سقى الله أرضًا صوب غادية ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم
لما كان القصد في الدعاء بالسقيا بقاء المدعو له على نضارته، والزيادة في طرواته، واستمرار الأيام به سالمًا، مما يؤثر في عنفوان حسنه، أو يغير رونق مائه، جعل عند الدعاء على المذموم عنده السقيا بالنار، لكون النار ضدًا للماء ومميتًا لما يجيبه. فيقول: إذا أطال الله تعالى جده تنعم أرض بما يقيم من خصبها، ويديم من رفاغتها ورفاهتها، بتأتي الأمطار عليها، وتبكير الغوادي نحوها، فلا سقى هذه الديار إلا نارًا يهيج ضرامها، ويؤجج لهبا وسعارها، لتبيد خيرها، وتفيت حسنها وزهرتها. وقوله تضطرم في موضع الحال للنار.
وحبذا حين تمسي الريح باردة ... وادي أشى وفتيان به هضم
الواسعون إذا ما جر غيرهم ... على العشيرة والكافون ما جرموا
والمطمعون إذا هبت شامية ... وباكر الحي ن صرداها صرم
قوله وحبذا حين تمسي الريح باردة، جعل ما نفاه من الحب والحمد عما قدم ذكره من البلدان ثابتًا لوادي أشي وأهله، ونبه على انهم في أوان الجدب والقحط يشركون غيرهم من العشيرة في خيرهم، ويستنفذون الأموال التي يتنافس فيها فيما يجلب الحمد، وبيب النشر، إذا هبت الريح باردة، واقتشعرت البلاد هامدة، حتى يصير وسعهم مبذولًا لهم يتوسعون فيه إذا جر غيرهم الجرائر على عشيرته، وذوي لحمته، ثم من اكتسب جريمة منهم تكلفوا باستنقاذة منها، وأقاموا ظل الحماية والصيانة عليه فيها.
وقوله والمطعمون حذف مفعوله، وإنما يصقهم بأنهم يقيمون القرى للأضياف إذا هبت الريح شمالًا، وغادي الحي السحائب الباردة طوائف وفرقا. وقوله هضم جمع هضوم، وهو المنفاق في الشتاء. وقوله هبت شامية انتصب على الحال. وقوله الواسعون مأخوذ من الوسع وهو الطاقة، ويقال: لا يسعك كذا، أي لست منه في سعة. والصرم، أصله في أقطاع الإبل، فاستعاره.