وقوله عن الأشاءة، فإن كان الأشاءة موضعًا وبعض ما يقع عليه مكشحة فإنه بدل من عن جنبي مكشحة، وقد أعيد حرف الجر معه. وإن كان النخلة فإنه يجوز أن يريد بقعتها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ولا يمتنع أن يكون أراد: وعن الأشاءة، فحذف العاطف كما تقول: رأيت زيدًا، عمرًا، خالدًا. وأنشدنا أبو علي الفارسي:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يزرع الحب في فؤاد الكريم
فيقول: ليت علمي كان واقعًا بأحوال هذه المواضع، وهل هي باقية على ما عهدتها من قبل، أو هل تغيرت أعلامها وزالت مخارمها. وإنما يدل على حنينه إليها، وتأسفه على البعد عنها. وقوله وجنة يريد وعن جنة حاضرها يرضي عن الدهر ويحمده، فلا يتسخط أيامه، ولا يذم عوارضه. والجبار من النخل: ما فات اليد طولًا. وقوله بالندى والحمل محتزم تنبيه على الخصب فيها، وعلى غضارة عيش سكانها. والاحتزام كالالتفاف، ويروى جبارها بالندى والخير.
فيها عقائل أمثال الدمى خرد ... لم يغذهن شقا عيش ولا يتم
ينتابهن كرام ما يذمهم ... جار غريب ولا يؤذي لهم حشم
مخدمون ثقال في مجالسهم ... وفي الرحال إذا صاحبهم خدم
قوله فيها أي في الجنة. عقائل، أي نساء كريمات، كأنهن الصور المنقوشة حسنًا، منعمات لم تمسهن فاقة وفقر، ولا جهدن بأيام أدبرت عنهن، ولا شقين بمناكدة عيشهن، ولا أصبن بموت كافلهن أو قيمهن، عفيفات، حييات، لا يعرفن منكر الأخلاق، ولا مايشين من الأفعال، فهن ربائب النعم، وغرائر الزمن، ومدللات العشائر والسكن.
وقوله: ينتهابهن كرام مدح الرجال عطفًا على مدحهن فقال: يدبر هؤلاء النسوة رجال كرام أعزاء، يحمدهم الجار الغريب، لوفائهم له بالعقد، وحسن تعطفهم عليه عند البلاء والجهد، ويرضى عنهم الخليط النسيب لجمال عشرتهم،