فما لي إن أحببت أرض عشيرتي ... وأبغضت طرفاء القصيبة من ذنب
تقول: رب لائمة همها مقصور على لومي وعتبي، فيما أهواه وأميل إليه، وأعد نفسي به فتتشوقه، فلا يؤدي عتبها إلى طائل لها، لأن تنصحها مردود، ووعظها مدفوع؛ ولا إلى طائل لي، إذ كان لاتزداد الصبابة في قلبي إلا تمكنًا وثباتًا، ولا الاشتياق اللازم لي إلا ازديادًا ودوامًا؛ وأنا إذا أحببت أرض عشيرتي ورهطي، ووطن أحبتي وأهلي، ومسقط رأسي، وحيث حل الشباب تميمتي، وأبغضت القصيبة منبت الطرفاء، أرضًا لم أقض مأربةً فيها، ولا أوجبت مذمة لها، فلا ذنب لي ألام فيه، ولا جريرة مكتسبة فأعتب عليها.
وقوله"من ذنب"في موضع الرفع، لأنه اسم مالي، وجواب الجزاء من قوله"إن أحببت أرض عشيرتي"في قوله"مالي من ذنب"، وجواب رب في قوله"لم تمح الصبابة".
فلو أن ريحًا أبلغت وحي مرسل ... حفي، لناجيت الجنوب على النقب
فقلت لها أدى إليهم تحيتي ... ولاتخلطيها، طال سعدك، بالترب
فإني إذا هبت شمالًا سألتها ... هل ازداد صداح النميرة من قرب
الوحي: مصدر وحيث لك بخير، أي أجبرت؛ ويستعمل أوحى ووحي في معنى البعث والإلهام. والإيحاء: الإيماء والإشارة. فيقول: لو أن ريحًا أدت خبر مرسل، أو بعث ملح منفذ لساررت ريح الجنوب على الطريق - والحفي يكون الملح، ويكون اللطيف، ومصدره الحفاية. والنقب: الطريق في الجبل - ولقلت: ياريح بلغيهم تحيتي، وصونيها عن الإذالة، وخلطها بالتراب، أطال الله سعادتك. وقوله"طال سعدك"دعاء لها، وهو من الاعتراضات المستحسنة، ومثله قول الآخر:
فما مكثنا دام الجميل عليكما ... بثهلان إلا أن تزم الأباعر
وقول الآخر:
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان