-ذلك جد بسيط، لقد جمعوا المال، وخطوا الورق القوائم، ثم شربوا المال، أنني لا أقول ذلك لألحوهم على ما فعلوا ولكنه الواقع نخب صحتكم يا سادتي، نخب صحتكم ونخب ذكراها الخالدة. ليس ثمة صحة تنال من الإفراط في الخمر، والذاكرة الحافظة الدائمة أمر مؤلم. . . ألا فلنرجو من الله ذاكرة لا تعيش فيها الأحداث والرؤى، أما الذاكرة الواعية. . .
-حسنًا. . . إن هذا لهو الحق، لقد كان موشكين رجلًا يعرفه الكل، ولكنه الآن منسي، نسيه أولئك الذين أحبوه، ويذكره أولئك الذين مسهم منه الضر والأذى وبخسهم أقدارهم أما أنا فلن أنساه، كلا، لن أنساه، فلم يصبني منه غير الضر والخسران، ولست أحبه.
ثم زفر الممثل فسألناه: وأي أذى نالك منه؟ فبان على وجهه ما كان يكابد من جراح في قلبه وقال: (إنه لأذى بليغ، لقد كان خبيثًا وسارقًا، ألا فلتسكن روحه ولتهدأ. . . لقد صرت ممثلًا بالإصغاء إليه، صرت ممثلًا بالنظر إليه. لقد أغواني بفنه وأغراني بكبريائه فزين لي أن أهجر الأهل. لقد وعدني بكل شئ ولكنه لم يهبني غير الدموع والأشجان، غير مصير الممثل ونهايته لقد خسرت كل شئ. . . الشباب. . . الوقار. . . محبة الله. . . ولم أعد أملك فلسًا واحدًا أعز النفس به. لقد رث حذائي وبلى وتهرأت ثيابي وانتشرت عليها الرقع، وبدا وجهي كما أن كلابًا قد تولته نهشًا وتمزيقًا، وامتلأ رأسي بالبالي الرخيص من الفكر. . . لقد سلبني إيماني ذلك السارق! على أن ذلك كله ما كان ليبلغ مني مبلغًا هذا لو كان لدي شبه ذكاء أتعزى به، قد خسرت كل شئ، للاشيء. إن الجو لقارس أيها السادة أفتأذنون بقطرة فإن لدي ما يكفينا، فلنشرب، ولتهدأ روحه إنني لا أحبه، إنه الآن ميت، ولكنه برغم ذلك كان الوحيد الذي كان لي على وجه الأرض، لقد كان لي كأصابع اليد، وهذه آخر مرة أراه فيها، فلقد أخبرني الأطباء بأنني سأموت قريبًا لأدماني الخمر، ولذلك جئته اليوم لأودعه، فان علينا أن نصفح عن أعدائنا!
ولقد تركناه يناجي موشكين، وسرنا خارجين من المقبرة ثم انهال علينا رذاذ بارد ناعم من السماء، وعلى منحني الطريق الرئيسي لقينا جنازة يحملها أربعة رجال عليهم أنطقة بيض من القطن، وقد اتسخت نعالهم وناءت بحمل من ورق الشجر علق بها، كانوا يحملون كفنًا رماديًا، وكان الظلام قد هم بالكون يغشيه بسدول منه سوداء رهيبة، فكانوا يسرعون بعبئهم