إمام العصر الأستاذ المحدث الشيخ محمد أنور الكشميري رحمه الله. ومن الغريب أن هذه الناحية لم يتخذها كمالًا علميًا عكف عليه طول عمره، أو عرف به، لا بل مزيته هذه لا تعد مزية إلى ما خصه الله بجلائل النبل وآيات الفضل التي أصبح فيها نسيج وحده. ومع هذا له شعر بارع مطبوع عليه أبهة الشعر القديم بمتانة وفخامة مع انتقاء فصح الكلمات بانسجام رائق، مصوغ في قالب بديع، فترى له روعة وجمالا في حسن السبك، وصياغة الألفاظ، وأبعد به عن ركاكة في اللفظ، أو سماجة في التعبير، أو تفكيك في التركيب والنسق، أو اختلال في النظم والانسجام
نعم، إن شعره ترى فيه بريقًا يتألق من الشعر القديم، ولمعة من شعر المخضرمين، وربما تبدو فيه آثار من كلام المولدين مع فخامة في اللفظ وجزالة في المعنى
أجل، إنما الشعر لوعة فكر، ولمعة خيال؛ ولكل فكر منزع، ولكل خيال مذاق، وذلك أمر لا مندوحة عنه. ومن خصائص شعره أنه قلما تخلو قصيدة له عن عواطف حزينة تثير في القلوب رقة، كأن نفسه تذوب حسرات، ولا بدع، فكان عميق الشعور، دقيق القلب، ومن ثم نجد أكثر شعره وألطف شعره في الرثاء والبكاء، فكان كما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم:
إذا تصفحت ديواني لتقرأني ... وجدت شعر المراثي نصف ديواني
لا يتسع النطاق لذكر سائر النواحي من شعره إلا أني أقدم هنا شيئًا من شعره في الرثاء وغيره لتنم نفحاته المسكية على حديقته الزهراء. قال رحمه الله في رثاء الإمام الأستاذ محمود حسن الديوبندي المعروف بشيخ الهند.
قفا نبك من ذكرى مزار فند معَا ... مصيفًا ومشتىً ثم مرأى ومسمعًا
قد احتفّه الألطاف عَطْفًا وعِطْفة ... وبورك فيه مربعًا ثم مربعًا
إلى أن قال:
وكان حشا أُذنيَّ دَرًّا وحكمة ... فتخرج من عينيَّ دمعًا مرصعًا
وقال:
فوافيت دهرًا ثم دهرًا بمنيتي ... وألفيت عمرًا ثم عمرًا ممتَّعًا
وقال:
فلله دَرّ الحبّ حتى أقامني ... أقول وأحكي أن في المض مطمعًا