كأنها ورمالًا حولها التطمت ... سفينة غرقت إلا أسا طينا
كأنها تحت لألاء الضحا ذهبًا ... كنوز فرعون غطين ألموا زينا
وهذا الفخر بماضي الوطن من مشاعر مبعد حزين لما ألم به من أحداث وكوارث قوى الصلة بمحور القصيدة، وبنفسية الشاعر المكروب من الحاضر المتجهم، فيرجع إلى الماضي المشرق لأنه يجد فيه عزته وراحته وسلوانه.
وأخيرا يتحدان في الغزل المصطنع من كليهما في هاتين القصيدتين، فالبارودي ينعت حبيبته بالوفاء، ويصفها بالجمال وجهًا وخصرًا، ويعرض حالة ماضيه إذ أسرته بنظرها الساحر فعلق بها وتبعها، فتظاهرت بالهشة من حماقته كأنها لا تعلم إنها الجانية، ويرجوها ألا تصد عنه حتى لا تعذبه وتقعده عن طلب المجد، وألا تظن إن في قلبه قدرة على تحمل مزيد من الحب، ويصور مقدار خضوعه لها بأنها لو أمرته أن يهلك نفسه لفعل. قال:
فلست بناس ليلة سلفت لنا ... بواديه، والدنيا تغر بما تسدى
إذ العيش ريان إلا ما أريد، والهوى=جديد وإذا لمياء صافية الود
منعمة، للبدر ما في قناعها ... وللغصن ما دامت به عقدة البند
سبتني بعينيها، وقالت لتربها ... ألا ما لهذا الغر يتبعني قصدي
ولم تدر ذات الخال - والحب فاضح - ... بأن الذي أخفيه غير الذي أبدى
حنانيك إن الرأي حار دليله ... فضل، وعاد الهزل فيك إلى الجد
فلا تسألي مني الزيادة في الهوى ... رويدًا، فهذا الوجد آخر ما عندي
وها أنا منقاد كما حكم الهوى ... لأمرك فأخشى حرمة الله والمجد
فلو قلت: قم فأصعد إلى رأس شاهق ... والق إذا أشرفت نفسك للوهد
لألقيتها طوعًا لعلك بعدها ... تقولين: حيا الله عهدك من عهد
وشوقي تغزل في عجل بحبيبته التي يعف في حبها، فهو يحن إليها حنينًا لا يشوبه تدلل، وهو غير مستطيع صبرًا على فراقها، وهو جلد ولكن الحزن غلبه لأنه ابعد عنها بالنفي من وطنه وحصنه، وليله طويل لا نهاية له تتناوبه فيه الذكريات الحلوة والمرة فتميته وتحييه، وتكاد الآلام الفراق ترديه، ولا يفتأ يبكى ويئن، ويراقب النجوم حتى ترثى له أو تمل مراقبته وتتعب من السير، ولكنه في النهاية يتكلف الصبر أمام الأعداء حتى لا