فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 49215 من 65521

لأني على يقين أنه هو ومن يلف لفه من اللغويين يمسكون أنفسهم بفكره لا يريمونها، وهي أن القواميس قد جمعت من الألفاظ ما يكفي لكل معنى مستحدث فغاية البراعة في التقديم هي أن يبذل الرجل منهم جهد الطاقة ليظفر بكلمة مهما كانت مجفوة ميتة، ثم يكرهها إكراها على أداء معنى حادث ولو لأني ملابسة؛ وإني إذ اطلب منه ومن أصحابه الاتجاه إلى ناحية ارحب في توفير مادة اللغة، فإني أكلفهم خطة شديدة.

غير أني أعود إلى هذا الموضوع لأقول لحضرته في كلمة قصيرة أنني لا أقول أن (الألفة الذوقية وحدها تكون ميزانا لوضع الكلمات اللغوية واختيارها) كما فهم من كلامي، ولكني أقول أن اللغة لا شك ظاهرة اجتماعية تتطور بتطور الحياة، وأرجو أن لا يغضبه هذا التعبير، وهي بهذا المعنى تتأثر بالظواهر الاجتماعية الأخرى، وتكون صورة لأفكار أهلها وأذواقهم وما يناسب اتجاهاتهم وميولهم نحو الحياة، ولهذا تموت من اللغة ألفاظ وتعابير وتستحدث ألفاظ وتعابير، ولولا أن تكون اللغة مطواعة قابلة بمادتها لهذا التطور فإنها لا بد أنها تختفي ولهذا السبب كم اختفت لغات ولغات!.

ولقد ماتت من اللغة العربية ألفاظ كثيرة، ماتت لأنها فقدت ما يصلها بحياة الناس من الجرس والأداء والمعنى، ثم بقيت محفوظة في المعاجم كأنها قطع الآثار في المتاحف، وهي لاشك عربية أصيلة، وقد تكون وردت في أمثال من فصيح الشعر والنثر ومأثور الكلام، ولكنا لا نستطيع أن نبعث فيها الحياة مرة أخرى، وإلا لظلت هي حية على رغمنا، فالدرمك والدغري والمدغرة والدلق والمربقة ألفاظ عربية لا أماري في عربيتها ولكنها ماتت منذ زمن قديم وليس في طبيعتها نحن ما يهي لها الحياة ويقدر لها التداول في الألسن والسير في أساليب الكتابة والشعراء والخطباء وهم صيارفة الكلام.

ولعل الأستاذ يعرف أن جماعات وأفرادًا من الأفذاذ المخلصين قد وقفوا جهودهم على هذه الخطة التي ينتهجها في خدمة اللغة بإحياء الألفاظ المجفوة الميتة، ولكنهم لم يجدوا كثيرا، فنادى دار العلوم والمجمع اللغوي القديم الذي تالف برياسة السيد البكري، والمغفور لهما فقيدا اللغة أحمد تيمور باشا، واحمد زكي باشا، وغير هؤلاء جميعا قد جهدوا في اختيار ألفاظ قديمة لتأدية المعاني المستحدثة، وأرادوا مدافعة الدخيل من أسماء المخترعات والمكتشفات بإحياء ألفاظ قديمة نسيها الزمان فما أجدى هذا العناء كما يجب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت