يسألني: (كيف حالها؟!.) وهو على يقين من أني أدرك مدى أحاسيسه ومشاعره. . . ثم ينشج في نحيب وجزع وقد أسدل على وجهه راحتيه. . . كلما أحس بأنها تزداد ضعفًا وتشتد نحولًا. . . وقد ثقلت عليها وطأة العلة.
قالت لي يومًا:
(إني لم أخاطب ذلك الرجل العجيب سوى مرة واحدة. ولكن يبدو الآن كأني أعرفه منذ عشرين سنة. . .) وحينما التقت به ردت على انحناءته الرقيقة؛ بابتسامة أضاءت على ثغرها، وفاضت على صفحة وجهها! وقد أحست - على الرغم خطاها السريعة إلى القبر - أنها سعيدة كل السعادة هانئة كل الهناء بذلك الحب الذي يفيضه عليها هذا الإنسان ويغمرها به في وفاء نبيل وإخلاص شاعري. . . يكاد أن يذهب بنفسه كل مذهب!. ولكنها أبت أن تعرف اسمه ورفضت أن تخاطبه وهي. . تردد: (كلا. . . ثم كلا. . . أن هذا سوف يمحو تلك الصداقة الغريبة بيننا. . . ويفسدها. . ينبغي أن يظل كل منا جاهلًا صاحبه. قريبًا إليه بقلبه بعيدًا عنه بلسانه!)
أما هو، فقد كبت نفسه وراضها على ألا يدنو من صاحيته. . . وحزم أمره على أن يفي بعهده الذي قطعه على نفسه في العربة وهو ألا يكلمها أبدًا. . . وقد كانت هي خلال الساعات الطوال التي يشتد بها الوهن عليها ويضيق صدرها بالحياة. . . تنهض عن مقعدها وتسعى إلى النافذة فتزيح ستارها. . . حتى تنظر إن كان تحت النافذة؟! فإذا اطمأن بصرها إليه وهو جالس على مقعده لا يريم. . . انثنت إلى فراشها، وقد انفرجت شفتاها الذاويتان عن ابتسامة رقيقة!. .
وأشرقت عليها الشمس ذات يوم جسدًا بلا روح، وقد طوى الموت صفحة حياتها!. . وبينما كنت أهم بمغادرة البيت. . . أقبل على الرجل شاحب الوجه زائغ العنين، وقد تجلى على محياه أنه علم بوفاتها منذ لحظة. . وابتدرني قائلا في صوت كله رجاء وتوسل: (كم أود أن أراها ولو لحظة في حضرتك!) فأخذته من ذراعه ودلفنا إلى المنزل معًا. فلما بلغنا حيث سجيت السيدة الميتة. ركع إلى جوارها في خشوع، وأمسك بيدها في رفق، وطبع قبلة طويلة حارة تبللها الدموع. . . ثم انقلب على أعقابه. . . وانطلق في سبيله. . . وكأنما تجرد من مشاعره وتعطل من أحاسيسه!. .