وتولد هذه النفوس أمية كسائر النفوس، فإذا خرجت عن أميتها ونزعت منزع الثقافة زادت حذقًا وفراهة، وأصبحت دانية إلى كمالها.
وقد أنجبت البشرية، وولدت قبل عهد الكتابة والقراءة، كثيرًا من الشعراء. وشعراء العرب في العصر الجاهلي كانوا يمتون إلى هذه الأمية بأوشج الصلات. غير أن هذه الأمية لم تمنعهم أن يكونوا شعراء، ولم تمنع نفوسهم أن تتغنى بما تجيش به وأن يكون غناؤهما على جانب من الرونق والجودة والصدق والسمو، أستأهل إعجاب الأجيال، وأستحق أن يكون موضع دراسة، بل بابًا من أبواب العلم والثقافة حتى اليوم. وقد أفادتهم - بلا ريب - زجاجة عقولهم وثقوب نظرهم وسمو تجاربهم، عوضًا عما عانوه من الأمية والجهل بالقراءة والكتابة.
ويتبين لنا مما سبق أنه لا غضاضة على عصر - أدبي من عصور الكتابة والقراءة أن يكون من بين شعرائه قوم أميون لا يقرءون ولا يكتبون. بل العجيب حينذاك ألا تطرد طبيعة الأقدار وفطرة البشرية، فتقصر الشاعرية على قوم من المثقفين بالقراءة والكتابة، بدلًا من توزيعها على الناس والبيئات والطوائف بقسطاس مستقيم عادل، ما دامت الشاعرية فطرة موهوبة لا خلة مكسوبة - كما أشرنا -
وفي الحق أن الأقدار مطردة في طبيعتها، والبشرية متشابهة في عصور فطرتها، جارية على وثيرة واحدة، وتوزيع الموهبة قائم على العدالة منذ القديم. فلكل جيل شعراؤه، وكذلك لكل بيئة ولكل طائفة. لا تبالي الأقدار في توزيعها واختيارها بأن تخص من يقرءون ويكتبون بأوفر حظ من الموهبة، وأوفى نصيب، دون سواهم.
ومنذ ذلك العصر الذي وجدت فيه الكتابة الخطية سبيلها إلى الوجود والحياة والقوة والاستمرار، واتخذت منهجًا أوليًا، تعليميًا، وللراغبين في العلم، والساعين إلى الثقافة، ومن ثم فرقت الناس إلى شطرين: عالم يقرأ ويكتب، وجاهل أمي لا يقرأ ولا يكتب. ومنذ ذلك العصر الذي تولدت فيه اللغات العلمية، وافترقت فيه لغة العامة عن لغة الخاصة. نقول: منذ العصرين المذكورين، والطبيعة سائرة على وتيرتها، مطردة في بابها، توزع موهبتها توزيعها العادل. ولهذا كثيرًا ما ترى مخايل الشاعرية، ودلائل الفنية بادية في أوساط الأميين.