ومن ذلك أن يقال: من أين تجمع قول الله سبحانه: ( ولم يكن له وليّ مِنَ الذُلّ ) مع قول امرئ القيس:
( على لاحب لايهُتدى بمناره ... إذا سافه العَوْد النباطيّ جرجرا )
والجواب أن معنى قوله: ( ولم يكن له وليّ من الذل ) : لم يذِلّ فيحتاجَ إلى وليّ من الذلّ كما أن هذا معناه: لا منار به فيهتدى به . ومثله قول الآخر:
( لا تُفزِعُ الأرانبَ أهوالُها ... ولا يُرَى الضبُّ بها ينجحر )
وعليه قول الله تعالى: ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) أي لا يشفعون لهم فينتفعوا بذلك . يدلّ عليه قوله عزَّ اسمه: ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) وإذا كان كذلك فلا شفاعة إلا للمرتضَى . فعلمتَ بذلك أن لو ( شُفِع لهم ولا ينتفِعون ) بذلك . ومنه قولهم: هذا أمر لا ينادَى وليدُه أي لا وليدَ فيه فينادَى
فإن قيل: فإذا كان لا مَنار به ولا وليد فيه ( ولا أرنب هناك ) فما وجه إضافة هذه الأشياء إلى ما لا ملابسة بينها وبينه
قيل: لا بل هناك ملابسة لأجلها ما صحَّت الإضافة . وذلك أن العُرْف أن يكون في الأرض الواسعة مَنار يُهتدى به وأرنب تحلّها . فإذا شاهد الإنسان هذا البَسَاط من الأرض خاليا من المنار والأرنب ضرب بفكره إلى ما فقده