فهرس الكتاب
الرابع عشر: قال ابن حبان ـ رحمه الله تعالى ـ: «لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عليه الاحتيال لمفارقته بكل سبب» ا. هـ (4) ؛ لذا فقد قال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» (5) . قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «إن الفقهاء اختلفوا في صحة حكم الحاكم في الغضب على ثلاثة أقوال وهي ثلاثة أوجه في مذهب أحمد: أحدها: لا يصح ولا ينفذ؛ لأن النهي يقتضي الفساد. والثاني: ينفذ. والثالث: إن عرض له الغضب بعد فهم الحكم نفذ حكمه، وإن عرض له قبل ذلك لم ينفذ» ا. هـ (6) وقال معللًا المنع: «إنما كان ذلك؛ لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد» ا. هـ (7) . لهذا كان من وصية أمير المؤمنين عمر لأبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ في القضاء: «وإياك والغضب والقلق والضجر» (8) .
* صور من هدي السلف عند الغضب:
سب رجلٌ ابنَ عباس ـ رضي الله عنهما ـ فلما فرغ قال: يا عكرمُ! هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى (9) .
وقال أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ لغلامه: لِمَ أرسلتَ الشاةَ على علف الفرس؟ قال: أردت أن أغيظك. قال: لأجمعن مع الغيظ أجرًا: أنت حر لوجه الله تعالى (10) .
وأسمعَ رجلٌ أبا الدرداء ـ رضي الله عنه ـ كلامًا، فقال: يا هذا! لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعًا؛ فإنَّا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
قال الأحنف بن قيس ـ رحمه الله تعالى ـ لابنه: يا بنيَّ! إذا أردت أن تواخي رجلًا فأغضبه؛ فإن أنصفك وإلا فاحذره (11) .