فقه الظواهر الدعوية في ضوء الكتاب والسنة ظاهرة التآكل الروحي
حمدي شعيب
{وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] .
هكذا قصَّ القرآن الكريم تلك النتيجة التي انتهت إليها حالة هذا الثلاثي الجليل من جيل الخيرية؛ وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، رضي الله عنهم؛ حيث تخلفوا عن ركب الجهاد، في غزوة العسرة ـ غزوة تبوك ـ وصدقوا مع الله ـ سبحانه ـ ثم معه -صلى الله عليه وسلم - ، فلم يفعلوا كما فعل المنافقون الذين اعتذروا، ولكنهم أعلنوا على لسان كعب ـ رضي الله عنه ـ: «والله ما كان لي من عذر» (1) . أي ليس لهم حجة أو عذر للتخلف.
كانت تلك النتيجة شعورًا غريبًا لم يألفه كعب ـ رضي الله عنه ـ منذ دخوله لهذا العالم وأُنْسه بهذا المنهج، وكان ألمًا نفسيًا ضاقت به نفسه ضيقًا شديدًا حتى تنكر لها الوجود السابح الساجد لربه.
وتأمل هذه اللمحات الطيبة:
1 ـ التربية النبوية القرآنية كانت سريعة وشديدة؛ ليختبر صدقهم مع الله ـ عز وجل ـ ثم مع النفس، وحكى عنها كعب ـ رضي الله عنه ـ فقال: «ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه» (2) .
2 ـ وكأنما يشارك في هذه المقاطعة كل الخلائق، من البشر ومن الجماد بل والوجود كله، استجابة وجندية وطاعة لأمره سبحانه. وتدبَّر مشاركة الأرض: «فاجتنبنا الناس ـ أو قال: تغيروا لنا ـ حتى تنكرت لي في نفسي الأرض؛ فما هي بالأرض التي كنت أعرف» (3) .