مجلة البيان، العدد (88) ، ذو الحجة 1415،مايو 1995 .
د. أحمد بن شرشال
الاشتغال بفهم القرآن وتفسيره والتفقّه فيه يرقق إحساس المسلم ويقوي شعوره،وينمي فيه حب الآخرين؛ بحيث يتألم لآلامهم، ويفرح لفرحهم، ويسعد لسعادتهم.
ومن الأساليب القرآنية في التعبير عن هذا الإحساس أن جعل قتل الرجل لغيره قتلًا لنفسه، وجعل إخراج الرجل من داره إخراجًا لنفسه، وجعل ظن السوء بالغير ظنًا بنفسه، وجعل لمز الغير لمزًا لنفسه، والسلام على الغير سلامًا على نفسه؛ وكل ذلك ذكره القرآن. قال الله ـ تعالى ـ في سياق أخبار بني إسرائيل: (( وَإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُون ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ) ) [البقرة: 84، 85] .فجعل دم كل فرد من أفرادهم كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه قتل نفسه وانتحر ذاته.
قال القرطبي: (ولما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحدًا، وكانوا كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضًا وإخراج بعضهم بعضًا قتلًا لأنفسهم ونفيًا لها) (1) .
ومثل هذا السياق قوله ـ تعالى ـ: (( فَاقْتُلُوًا أََنفُسَكُمْ ) ) [البقرة: 54] ومعناه: فليقتل بعضكم بعضًا بأن يقتل من لم يعبد العجل عابديه؛ فإن قتل المرء لأخيه كقتله لنفسه.
قال القرطبي: (وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عَبَدَة العجل بأن يقتل نفسه) ثم نقل عن الزهري قوله: (أن يقتل من لم يعبد العجل من عبد العجل) (2) .