د. حمدي شعيب
«لما فُتِحَت قبرص، فُرِّقَ بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيتُ أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي.
فقلت: يا أبا الدرداء ما يُبكيك في يومٍ أعزَ اللهُ فيه الإسلام وأهله؟
فقال: ويحك يا جُبَيْر! ما أهونَ الخلق على اللهِ ـ عز وجل ـ إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمةٌ قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمرَ اللهِ فصاروا إلى ما ترى» (1) .
حادثة غريبة رواها عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن والده رضي الله عنهما، وهو يستغرب موقف أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ الباكي الوحيد، ويستغرب تفاعل مشاعره المناقضة لمعظم مشاعر من حضروا فتح قبرص.
وهو الموقف الذي يذكرنا بموقف مؤمن آل فرعون، عندما وقف وحده، لينصح قومه المعرضين عن رسالة موسى ـ عليه السلام ـ إليهم، لعلهم يفيقون ولا يغترون وينخدعون بحاضر ينذر بمستقبلٍ مغاير: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إن جَاءَنَا} [غافر: 29] .
ثم كانت فراسته التي تدل على عمق دراسته للتاريخ البشري؛ إذا تأملنا تحذيره: {يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ} [غافر: 30] .
وهو نفس شعور وتخوُّف خبير الفتن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ عندما خالف غيره؛ ووقف وحده، ولم يسأل عن الخير؛ بل سأل -صلى الله عليه وسلم - عن أسباب الشر والفتن مخافة تداول الأيام، فتدركه وتهدد أمته.
عن أَبي إِدْرِيس الْخَوْلَانِي أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - عَنِ الخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي.