وليتبين لك أهمية دراسة السيرة واستلهام المنهج التربوي الذاتي منها؛ تأمل سيرته -صلى الله عليه وسلم- وكيف أعد الله ـ تعالى ـ رسوله لحمل راية هذا الدين، من خلال الآيات الأولى التي أُنزلت عليه في صدر سُوَرِ (اقرأ ـ المزمل ـ المدثر) ؛ لتقف على أهمية هذه الآيات في الإعداد والتهيئة والتكوين، وأنها بمثابة الأساس المتين الذي يقوم عليه البناء الفردي لكل مسلم يريد تكوين نفسه وإعدادها لحمل راية هذا الدين، والعمل على رفع ثقة الأمة بنفسها وبدينها، لرفع آثار الهزيمة النفسية التي أحبطت معنوياتها، وجعلتها تعيش على هامش العالم وفي ذيل القائمة، وإن من أهم هذه الأسس في إعداد النفس وتكوينها ما يأتي:
الأساس الأول: الإعداد العلمي:
يذكر البخاري ـ رحمه الله ـ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما كان يخلوا بغار حراء «جاءه جبريل، فقال: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني، فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} [العلق: 1 - 3] (1) .
وتأمل أول كلمة أُنزلت على الرسول -صلى الله عليه وسلم- تجد أنها كلمة «اقرأ» ! ثم انظر كيف تكررت تلك الكلمة، وتساءل: لماذا كانت كلمة (اقرأ) أول كلمة أُنزلت من القرآن الكريم؟ ولماذا التربية على العلم أولًا؟ ولماذا هي المحطة الأولى في إعداده وتكونيه -صلى الله عليه وسلم-؟
وفي هذا مغزى كبير ودلالة واضحة على أهمية العلم وأثره، وأنه الأساس الذي يُبنى عليه كل إصلاح: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19] ، فالعلم أولًا ثم يأتي العمل بعد ذلك. ولهذا فقد وضع الإمام البخاري عنوانًا لباب العلم فقال: «باب العلم قبل القول والعمل» (2) ، وهذا من تمام فقهه رحمه الله.