فهرس الكتاب

الصفحة 1070 من 1113

إن التربية المنتجة عملية صعبة ومستمرة تحتاج إلى معايشة مع المتربين، والتربية التي تعتمد على لقاء عابر أو جلسة أسبوعية أو مناسبة عامة ـ فقط ـ تربية فيها نقص وخلل، ومن ثَمَّ لا يكون البناء متكاملًا، فلا نستغرب بعد ذلك من تلك المخرجات المتذبذبة والمتهلهلة التي من أبرز سماتها الالتزام الأجوف. والناظر في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يجد أن قضية المعايشة قضية بارزة في حياته - صلى الله عليه وسلم - . يؤكد هذا المعنى عبد الله بن شقيق ـ رضي الله عنه ـ عندما سأل عائشة ـ رضي الله عنها ـ: هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو قاعد؟ قالت: «نعم! بعدما حطمه الناس» (1) . فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يتصدى للناس، ويعايشهم، ويخالطهم، يستقبلهم ويودعهم، ويتحمل أخطاءهم؛ لذلك حطمه الناس، وأثَّروا في بدنه - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح يصلي جالسًا، وأسرع إليه الشيب ـ بأبي هو وأمي ـ - صلى الله عليه وسلم - . ويؤكد هذا المعنى أيضًا حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ حيث قال: «إن كان رسول الله ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟» (2) . ويؤيد هذا المعنى أيضًا حديث سماك بن حرب؛ حيث قال: قلت لجابر بن سمرة: كنت تجالس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: نعم! كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الفجر جلس في مصلاَّه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه يذكرون حديث الجاهلية، ينشدون الشعر، ويضحكون، ويبتسم - صلى الله عليه وسلم - » (3) .

وحسبنا في هذه الورقات أن نلقي الضوء على هذا المفهوم التربوي المهم، وأنا مؤمن بأنها لن تشبع هذا الموضوع حقه، ولكن هي إشارات عابرة، وفتح باب للباحثين حول هذا المفهوم.

1 ـ مفهوم المعايشة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت