قصّةٌ مليئةٌ بالعِبَرِ والدروس، ومشاهِدُ تحكي قِدَم تلك الحربِ الضروس. ومع ذلك فإنّي سأكتفي منها بدرسٍ وحيدٍ، ومعنىً ليسَ على الكثير بالجديد، لكنّي أحسبُ أنَّهُ من الأهمّية بمكانٍ أن نستحضرهُ في هذه الأيّام.
تذكّروا معي؛ ما الذي حصلَ للغُلامِ المؤمن وللنّاسِ بعد إيمانهم بربِّ ذاكَ الغُلام؟
إنَّهُ التعذيبُ المُوجع، ومن ثمَّ القتلُ لهم أجمع.
أمّا الغُلام فقد صُلِبَ على جِذعٍ ثمَّ رُمِيَ بالسِّهام حتّى قضى نحبَه، وأتمَّ عهدَه.
وأمَّا المؤمنون فقد شُقّت لهمُ الأخاديد، ثمَّ أُشعلت فيها النيران، ثمَّ قُذِفوا فيها جميعًا.
ليسَ الرجالُ فحسب، بل معهم النّساء.
وليس الكبارُ فحسب، بل معهم الأطفال.
وهنا يأتي سؤالُنا المباشر ليقول:
ألم يكُن الغلامُ ومن معه على الحقّ؟!
ألم يُضحّوا بأنفُسهم ويلتزموا طريقَ العدلِ والصّدق؟
ألم يُعلنوا إيمانَهم، ويصدعوا بتوحيدِهم جِدارَ الشركِ والكُفر؟!
ألم يُقرّروا قرارهم الشُّجاع، ويثبتوا على دينهم رَغم مُحاولاتِ الرّدِّ والقَهر؟!
والجوابُ: بلى؛ قد كانوا كذلك.
إذًا؛ فلماذا لم ينصرهم الله تعالى؟!
لماذا لم يُنْزلِ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ مطرًا يُطفئ تلك النّارَ كرامةً لأوليائه؟!
لماذا لم يقل للنّارِ كما قالَ لنارِ إبراهيمَ ـ عليهِ السّلام ـ: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إبْرَاهِيمَ } [الأنبياء: 69] ؟! أو يُرسلَ جُندًا من جنوده؛ ليُهلِكوا الظّالمين، ويجعلوهم عبرةً للمعتبرين؟!
وللإجابة عن هذه الأسئلة يُقالُ ما يلي:
أولًا: إنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يُسالُ عمَّا يَفْعَلُ، والخلقُ يُسألون.
ثانيًا: إنَّ المؤمن ليعتقد في قلبه أنَّ ربّهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ حكيمٌ حكمةً مطلقةً، والخيرُ كلُّ الخير في يديه، والشّرُّ كلُّ الشرِّ ليس إليه.
وكم هيَ المظاهرُ التي كُنَّا نحسبها شرًّا فبعثَ الله فيها من الخيرِ ما لم يكُن في الحُسبان، وما لم يخطُر في خَلَدِ الإنسان.