فهرس الكتاب

الصفحة 1108 من 1113

فحين يتبيّنُ المرءُ الحقَّ، ويتمسّكُ به، ويثبتُ عليه، ويموتُ من أجلهِ، وفي سبيله، فإنَّ هذا من أعظمِ صورِ النّصرِ الربَّاني لعبادهِ المؤمنين.

وفي قصّة أصحابِ الأُخدودِ هذه نقول:

ما كانَ لأولئك المؤمنين الضُّعفاء أن يختاروا القتلَ والإحراق، من أجلِ رضاءِ ربّهمُ الخلاّق، وهم يرونَ الابتلاءَ ماثلًا أمامهم جِدًّا وليس بالهزل، ما كانَ لهم ذلك لولا إعانةُ الله، واصطفاؤهُ لهم.

ثمَّ من أدرانا أنَّهم لمّا قُذِفوا في النّار شَعُرُوا بحرِّها وأليمِ عذابها.

بل هل ندري عن الذي لَقُوهُ من ربّهمُ الكريم بمجرّدِ إلقائهم في النّار، خاصّةً أن الله ـ تعالى ـ ذيّل قصّتهم في سورة البروج بقوله: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 11] . ولم يَصِف الله ـ تعالى ـ الفوزَ بـ (الكبير) إلاّ في هذا الموضع في القرآن كلّه، فأيُّ فوزٍ هذا الفوز، ونهايتهم هي إحراقهم في النّار؟!

نعم؛ والله إنَّهُ لفوزٌ كبير، وفلاحٌ عظيم.

فوزٌ حينَ آمنوا بربّهم في ظلِّ دولةٍ كافرةٍ تقومُ على الشّركِ والسّحرِ والخُرافات.

فوزٌ حينَ ثبتوا على الحقِّ وضحّوا من أجلِهِ بأهليهم وأنفُسهم ـ وهي أغلى ما يملكون ـ، ولسانُ حال الواحدِ منهم يقول:

أجودُ بالنفسِ إنْ ظنَّ البخيلُ بها

والجودُ بالنفسِ أعلى غاية الجودِ

فوزٌ حينَ ذَكَرهم الله ـ عزَّ وجل ـ في كتابه الكريم يُتلى إلى قيامِ السّاعة في سياقِ المدحِ والثّناء، وقد عَلِمَ ـ سبحانه ـ ما في قلوبهم.

فوزٌ حينَ يقابلونَ ربّهم وهو راضٍ عنهم فيكسوهم حُللَ الذهبِ والفضّة، ويُسعدهم بأجلِّ نعيم وأعظمِ عطاء، وهو النَّظرُ إلى وجههِ الكريم.

فوزٌ بصُوَرٍ متعدّدةٍ تحصلُ لهم في عالمِ الغيب، لا تُدركهُ أبصارُنا ولا تحتويهِ عقولُنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت