هكذا هي سنة الله التي لا تحابي أحدًا، سأل هرقلُ أبا سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجالًا، يُدال علينا ونُدال عليه. قال هرقل: كذلك الرسل تُبتلى، ثم تكون لها العاقبة.
هذا يعقوب ـ عليه السلام ـ يفقد ابنه صغيرًا، وبعد سنوات طِوال من الأحزان يفقد ابنه الآخر، فيتجدّد حزنه، ويشتد مصابه، حتى ابيضت عيناه، فيقول لأبنائه: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] ، فكانت عاقبة أحزان السنوات الطوال تفريجًا ورفعة في الدرجات، وفوزًا بأحسن حال.
ولما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ من مكة إلى المدينة مهاجرَين؛ جُنّ جنون قريش، واستنفرت قواها، وجعلت مائة ناقة لمن يأتيها بأحدهما حيًا أو ميتًا، وطمع الناس بهذه الجائزة، ورجا كل منهم أنْ يكون الفائز بها، وكان سراقة ابن مالك ممن نشط لذلك، فانطلق يتبع أثرهما، حتى دنا منهما، فعثرت فرسه، وغاصت يداها في الأرض؛ فعرف أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم محفوظ، وأنّ أحدًا لن يناله بسوء؛ فناداهما بالأمان. وقال له الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه مبشِّرًا: «كأني بك يا سراقة! تلبس سوارَيْ كسرى» ، فوقف سراقة متعجِّبًا من هذه النبوءة والبشارة؛ محمد الذي خرج من مكة مطارَدًا من قومه وأقرب الناس إليه يعدني سوارَيْ كسرى!! ولكنه اليقين بنصر الله وبموعوده الذي لا يتزلزل عند الملمّات والشدائد. وانقلب الحال فتحوَّل سراقة من عدو طامع، إلى صديق مدافع، ووقف مكانه يصرف الناس عنهما.