ثم ليذكر نعمةً أُخرى هي من تمام هذه النعمةِ وكمالها، ليذكر نعمةَ الله عليه إذ وفَّقه للرزق الحلال يستطيب به مطعَمه، فكثَّرَه الله له، وبارَكَ له فيه، وحماه ـ بفضله ورحمته ـ أنْ يستهويَه كسبٌ خبيثٌ، فلم ينهزم لإغرائه كما انهزمتْ أمامَه القلوبُ المنخوبةُ التي وَثِقتْ في الدنيا أكثرَ من الآخرة، فاستأكلت من هذا المالِ الخبيث، ونمَّتْ ثراءَه به، ونبتَ لحمُها من سُحتِه، فليس شيءٌ أوْلى بها بعد ذلك إلاَّ النار، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «كلُّ لحم نبت من سُحتٍ فالنار أوْلى به» (7) ؛ فهذا بابٌ عظيمٌ مُشرعٌ إلى النار، ولكنَّ الله ـ تعالى ـ نجَّاه منه، ولولا فضلُ الله عليه ورحمتُه لتكبكبَ فيها مع الهالكين.
غير أنَّ شكرَ هذه النعمةِ الواجب لا تقوم به تمتمةُ اللسان بكلمات الحمد والشكر، وإنما يقوم بشكرِها حقًَّا عملُه فيها وبها؛ بأن يتقيَ اللهَ في إنفاق ماله كما كان يتقيه في كسبه، فيؤدي حقَّ الله فيه بلا مَنٍّ ولا أذى، ويبذلُه في مرضاته لا يؤودُه عن ذلك شحٌّ ولا بخل، ولا يضعُه في حرامٍ، ولا يُفضي به إلى تَرَفٍ ولا سَرَف، ولا ينحرفُ به عن الغاية.
إنَّ من أخطر الوساوس وأخبثِ الحيل التي يتسلل بها الشيطان إلى قلب الغني ليثنيه عن الخير، ويعطفه عن التسبب إلى الصلاح ـ أنْ يقذفَ في رُوعه: أنَّ هذا الثراءَ العريضَ الذي يملكه قد باعد بينه وبين الزهد والتعبد، وقارَب بينه وبين الغفلة والإخلاد إلى الأرض، فتستحيل هذه الوساوس عُقَدًا في نفسه، تمُدُّ له في الغفلة، وكأنها حالٌ طبيعية لازمةٌ لكل غنيٍّ مثلِه، وتُضلُّه عن كثيرٍ من أبواب الخير؛ فلا يرى منها إلا ما لا يناسب حالَه لكثرة شواغله كنوافل الصلاة والصيام، فيستسلم لخدْرِ هذه الوساوس، ويفرِّط في استعمال جاهه وثرائه في مرضاة الله.