فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 1113

"تفكرت في نفسي يومًا محققًا ، فحاسبتها قبل أن تحاسب ، ووزنتها قبل أن توزن... ولقد تفكرتُ في خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكت سريعًا ، ولو كشف للناس بعضها لاستحييت ، ولا يعتقد معتقد أنها من كبائر الذنوب حتى يظن بي ما يظن في الفساق ، بل هي ذنوب قبيحة في حق مثلي ، وقعت بتأويلات فاسدة... أف لنفسي! وقد سطرت عدة مجلدات في فنون العلم وما عبق بها من فضيلة ، إن نُوظِرَتْ شَمَخَتْ ، وإن نوصحت تعجرفت ، وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم وسقوط الغراب على الجيف... أف والله مني اليوم على وجه الأرض وغدًا تحتها! ، والله إن نتن جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن إخلاقي وأنا بين الأحباب... وغدًا يقال: مات الحبر العالم الصالح ، ولو عرفوني بحق معرفتي ما دفنوني... والله لأنادين على نفسي نداء المكشِفين معايب الأعداء ، ولأنوحن نوح الثاكلين للأبناء..."

واحسرتاه على عُمْر انقضى فيما لا يطابق الرضى ، واحرماني من مقامات الرجال الفطناء، يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وشماتة العدو بي ، واخيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح عَليّ ، واخذلاني عند إقامة الحجة ، سخر ـ والله ـ مني الشيطان وأنا الفطن«.

ثم يختم هذه المعاتبة بقوله: »اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار ، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأكدار«.

فإذا كانت نهاية حوار هذا العالم مع نفسه أن يسأل توبة خالصة ونهضة صادقة ، فما أحرى من هو دونه علمًا وعملًا أن يسأل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت