إن الشعور بواجب النصح للأمة يقتضي من المسلم ـ وبخاصة الداعية إلى الله (عز وجل) ـ أن يبين الحق لأمته، ويعري الباطل ويكشفه لها، ولا يجعله ملتبسًا عليها فتضل؛ لأن الذي يرى أمته تُضلل ويُلَبّس عليها دينها فتعيش في عماية من أمرها، ثم يتركها ـ وهو يعلم الحق من الباطل ـ إن مَن هذا شأنه: يعتبر خائنًا لله ورسوله وللمؤمنين، وإن الله (عز وجل) سائله يوم القيامة عن علمه: فيم عمل به؟، وهذا فيمن رأى التضليل والتلبيس فلم يُحذّر منه ولم يكشفه للناس، فكيف بمن باشر التلبيس والتضليل بنفسه (عياذًا بالله) ؟ إن هذا ـ بلا شك ـ أكثر خيانة من سابقه، وإن وزر وضلال من ضلله بتلبيسه هذا سيحمله فوق ظهره يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزار من ضللهم شيء. والحاصل: أن شعور المسلم بإثم وعاقبة التلبيس أو السكوت عليه: من أقوى الأسباب المانعة من الوقوع فيه ـ إن كان في القلب حياة وخوف من الله (سبحانه) والدار الآخرة ـ، لأن من كان في قلبه المحبة الحقيقية لهذا الدين وأهله: لا يمكن أن يرى التضليل والتلبيس من المفسدين المنافقين ثم يرضى لنفسه السكوت والوقوف موقف المتفرج، بل لن يقر له قرار ويهدأ له بال حتى يساهم قدر استطاعته في إبانة سبيل المؤمنين وإسقاط اللافتات الزائفة عن سبيل المجرمين وتعرية باطلهم وخداعهم كما مر بنا في صور التلبيس، وعندها: تعرف الأمة من توالي ومن تعادي، وعندها: تتميز الصفوف ويتميز المؤمن من المنافق، وكل هذا يحتاج إلى تضحيات باهظة، لكنها رخيصة في سبيل الله (عز وجل) لأن نصر الله (جل وعلا) الموعود لا يتم بدونها.
وبعد: