فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 1113

وفي حتمية البلاء الذي كتبه الله على عباده منبع للأمل، فلا يدهش المؤمن بنزول البلاء، ولا ينهار ولا يحبط حين يواجه الكروب، إن تقرير حتمية البلاء يجعل المؤمن مترقبًا للشدائد مستعدًا لها ومدركًا لحكمتها، ومدركًا أنّ مقدرها هو القادر على دفعها، قال ـ سبحانه ـ: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] ، ولذلك كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يدركون هذا الأمر إدراكًا جيدًا، فهم يبادرون في تحليل الموقف وفق هذا الاعتبار، قال الله عنهم: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلاَّ إيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] ، فكان قولهم في تلك اللحظة الأولى التي وقعت أعينهم فيها على مشهد الأحزاب معبرًا عن نفسية تستوعب الحدث؛ دون أن تصاب بصدمة تفقد التوازن أو تصيب بالهلع والجزع أو يتسرب إليها اليأس، بل بكل ثقة وعزم يتم ربط الحدث بالوعد المترقب، وكان لهذا أثر بالغ في رفع المعنوية وزيادة الإيمان المتناسق مع التسليم لله ولرسوله. ولذلك قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

والحق منصورٌ وممتحنٌ فلا تعجب فهذي سنة الرحمن

وليس هذا الوعد بنزول البلاء مدخل لليأس والخنوع وترقب الإخفاق، وتوالي المحن، بل على العكس من ذلك، في الابتلاء حكم عظيمة وثمرات كبيرة اقتضت حكمة الله أن لا تحصل إلا به. ففي طياته منحٌ لا يعلمها إلا الله؛ فمنها تمييز الصف المؤمن، ورفعة درجات المؤمنين ومنازلهم في الجنة.

سابعًًاً: رصيد الفطرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت