في التاريخ ينابيع للأمل، وأمثلة وعبر، تشعل في النفس ثقةً عميقة بالنصر، من غير تهور عاجل، ولا يأس قاتل، فالتاريخ مليء بالمتغيرات، لكن عجلة التاريخ ربما تمر على جيل كامل أو أجيال فيدركون أول الأحداث ولا يدركون آخرها، وهذا ما يجعل عجلة الإنسان الفطرية تسارع في استبطاء النصر، واستعجال الظفر، لقد عاش نوح ينتظر الفرج تسعمائة وخمسين عامًا، وفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعد إحدى وعشرين سنة مضت على البعثة، وهو نبي مؤيد بالوحي، بل إن كنوز فارس والروم واليمن لم تظفر بها أمته إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، إنه درس التاريخ الأكبر، قال ـ تعالى ـ: {حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110]
وإن التاريخ لينادي اليائسين لينظروا في أحقابه.. كم دولة قويت بعد ضعف! وكم من أخرى ضعفت بعد قوة! قال ـ تعالى ـ: {الچـم« (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } [الروم: 1 - 5] ، إن عجلة التاريخ تسير وفق سنن ربانية لا تتخلف. وفي التاريخ أحداث مؤلمة ومصائب جمة مرَّت على أقوام مضوا، فكأن التاريخ ينادي كل مصاب ومنكوب: حنانيك! فبعض الشر أهون من بعض، إن مع العسر يسرًا، وإن بعد الكرب فرجًا.