فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 1113

ترتب على الانحراف السابق في مفهوم العبادة انحراف أشد خطرًا وأسوأ أثرًا، حيث كان الانحراف السابق ذكره منحصرًا على مستوى الفرد، بينما هذا الانحراف الذي نحن بصدده يتمثل في النظم التي تحكم في أكثر بلدان المسلمين اليوم، والتي يسعى أربابها إلى عزل الدين عن الحياة وتوجيهها وتنظيمها، وحصره بين جدران المسجد وأداء الشعائر التعبدية، ولسان مقالهم أو حالهم يردد تلك المقولة الجاهلية، والتي قالها أصحاب مدين لنبيهم شعيب (عليه الصلاة والسلام) ويقولها العلمانيون في زماننا: ما للدين وحجاب المرأة وعملها، ما للدين والسياسة وموالاة الكفار ومحبتهم، ما للدين والاقتصاد، ما للدين والإعلام والتعليم..!! إلخ، الدين: أن تعبد الله في المسجد، وتقرأ القرآن، وتذكر الله... هكذا يزعمون!! أما الحياة فلها نظمها التي تتناسب مع تطورها.. إلى آخر هذا الهذيان والانحراف والفجور.

إن هذا الفهم الأعوج هو ما قاله أهل مدين لنبيهم شعيب بعد أن دعاهم إلى التوحيد وترك البخس والنقص في المكيال والميزان، قال الله (عز وجل) : (( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تًَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إنَّكَ لأَنتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) ) [هود: 87] . إنهم يقولون: يا شعيب: ما دخل عبادتك وصلاتك في حياتنا الاقتصادية، وفي اتباعنا لآبائنا وطاعتهم فيما كانوا يعبدون.. سبحان الله! ما أشبه قلوبهم بقلوب الجاهلين في زماننا هذا، وما أشبه مقولتهم بمقولة العلمانيين المنافقين (7) .

والحاصل مما سبق: إذا حصرت العبادة في الشعائر التعبدية فحسب، فما معنى قوله (تعالى) : (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ) ) [التوبة: 31] ، وما معنى قوله (تعالى) : (( وَإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) ) [الأنعام: 121] ، وقد علق العلامة الشنقيطي (رحمه الله) على هذه الآية، فيقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت