نضيف إلى ما تقدّم حقيقة تربوية لا يختلف عليها التربويون برغم اختلافهم حول قضية (الثنائية اللغوية) ، وهي: (أنه كلما ازداد أساس اللغة الأم رسوخًا، واستمرت في تطورها ازدادت القدرة على اللغة الثانية) (3) .
سابعًا: يتشبث المتحمسون لمدارس اللغات بمنطق مغلوط معكوس؛ فالمعلوم ـ من واقع التاريخ الإنساني ـ أن المجتمع لا يحافظ على بقائه في عالم مفتّح متواصل، بالحفاظ على هوية الآخرين والذوبان المطلق فيهم، ولكن بحفاظه على هويته أولًا، وتحصين ذاته ضدّ عوامل الفناء والاندثار؛ فإن صنع الإنسان العكس، فقد غالط طبيعة الأشياء، ورضي لنفسه أن يكون التابع الذليل.
وإذا راجت بيننا اليوم مقولة أن (لا مكان في عالم اليوم لمن لا يتسلح باللغات) ، فإن الأصحّ من هذه المقولة أنه (لا مكان لمن يدخل بيوت الآخرين، بعد أن نسف بيته، وأتى على بنيانه من القواعد) .
ثامنًا: نؤكد ـ ونحن مضطرون للتكرار ـ أننا لا نرفض مبدأ تعلم اللغات، ولكن شريطة أن يكون هذا المبدأ مؤسسًا على أهداف وثيقة الصلة بوجودنا وكياننا وأصالتنا، ومرتبطًا بخطة مدروسة لا تتجاهل واقع مدارس اللغات، وحصاد هذه التجربة بعد اتساعها واستفحالها، على أن نخضع ذلك كله لدراسة علمية فاحصة، تسبر الواقع ونتائجه دون تجاهل أو تعصب.
تاسعًا: ليس من اللازم اللازب ـ لكي نحقق مبدأ التواصل مع عالمنا وعصرنا ـ أن نترك الحبل عل غاربه لمدارس اللغات، وأن يُرهق أبناؤنا وبيوتنا ماديًا ونفسيًا؛ إذ يكفي أن ندعِّم مقررات اللغات الأجنبية (اللغة الثانية) في المرحلة المتوسطة (الإعدادية) ، وأن نعمل على تطويرها، مع الملاحقة والمتابعة لمقررات اللغة العربية، بالتطوير والدعم المستمر وتدريب المختصين بها: معلمين وموجهين، وإخضاع الكتب المقررة للدراسة الدائمة في ضوء مرئيات التلاميذ والمعلمين وأولياء الأمور وسائر من ينبغي الاستئناس بآرائهم من الخبراء وأساتذة التربية.