وثبت في الصحيحين أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه..) ، وذكر منهم: (رجل قلبه معلَّق في المساجد) (5) . قال الحافظ ابن حجر: «إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجًا عنه» (6) . ولاحِظْ هذا التعبير البليغ: (قلبه معلّق) ، وهذا يعني: أنه دائم الصلة بالله تعالى، دائم الاستحضار لأوامره، لا يشغله عن ذلك شاغل، ولا يصرفه عنه صارف، ولهذا قال الله ـ تعالى ـ: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإقَامِ الصَلاةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور: 36 - 37] . وثبت في الحديث الصحيح عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكون في مهنة أهله ـ تعني: خدمة أهله ـ فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» (7) .
ويصف الإمام ابن القيم الافتقار إلى الله ـ تعالى ـ بقوله: «يتخلى بفقره أن يتألَّه غير مولاه الحق، وأن يُضيع أنفاسه في غير مرضاته، وأن يُفرق همومه في غير محابه، وأن يُؤْثر عليه في حال من الأحوال، فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملة صفاء العبودية، وعمارة السر بينه وبين الله، وخلوص الود، فيصبح ويمسي ولا هّم له غير ربه، فقد قطع همُّه بربه عنه جميع الهموم، وعطلت إرادته جميع الإرادات، ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه» (8) .