فهرس الكتاب

الصفحة 565 من 1113

وما أحسن كلام الذهبي ـ رحمه الله ـ الذي لا يقل ميزانه في نقد الرجال عن نفيس نقده وسبكه ـ حين عرض لتلك الآراء الاجتهادية ـ التي انفرد فيها ابن حزم ـ رحمه الله ـ فأنصفه وبالغ في تعظيمه بقوله: (ولي أنا ميل إلى أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح، ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل، والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسألة، ولكن لا أكفّره ولا أضلّله، وأرجو له وللمسلمين العفو والمسامحة، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه) (1) .

وهي عبارة دقيقة، وإنصاف عادل، وأصل نفيس نفتقده اليوم في خضم الأهواء والأفكار البشعة في النقد والحكم على الآخرين، وبها تستقيم التربية ويعرف الحق من الباطل.

لقد تميز الفكر التربوي لدى الإمام ابن حزم ـ رحمه الله ـ بالأصالة والابتكار، واتسم ـ إلى حد كبير ـ بالاستقلالية ورفض التقليد أو المحاكاة، فجاءت آراؤه التربوية ذات أسس وقواعد، لها تجاربها وعبرها الذاتية، كما أن لها رحلاتها وشواهدها القاسية التي خاضها بنفسه، وربما سطّر بعضها في أخريات حياته!

ومما تتميز به لمحات ابن حزم التربوية وتوجيهاته القيادية النظرة الشمولية لطبيعة الحلول (العملية) المقترحة التي يقدمها للقادة والمربين، ولا يدرك قيمة هذه المهارة التربوية التي تُعنى بالجانب التكاملي في العلاج إلا من كان له سابق اطلاع على (النظريات) التربوية الغربية في علاج المسائل التربوية ذاتها التي تطرق لها ابن حزم ـ أو غيره من علماء التربية الإسلامية ـ قديمًا. وأكتفي بضرب مثال واحد للتوضيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت