ولقد كان أنبياء الله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يقومون في أممهم بالدعوة إلى الله، وإلزامهم منهج الله ومعالجتهم على ذلك، كما قال موسى ـ عليه السلام ـ: «لقد عالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة» (1) . ثم كان لنبينا -صلى الله عليه وسلم- القِدْح المعلى في ذلك، وقد أخرج جيلًا فريدًا صار معجزةً من معجزاته، كما قال القرافي ـ رحمه الله ـ: «لو لم يكن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته..» (2) .
لقد كان الرجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يسلم، فما يلبث إلا ويحسن إسلامه، ويعظم أمره؛ مما يلقى من حسن الرعاية وعظيم التربية.
ثم تتابع الناس بعد ذلك جيلًا بعد جيل يعنون بالتربية.. فالآباء على مر العصور يُلزمون أبناءهم مجالس العلماء وحلق الذكر، وربما طلبوا لهم مؤدبًا ومربيًا تُوكل إليه مهمة العناية بهم، ورعاية أدبهم، وتكميل جوانب النقص فيهم.
حتى إذا أقبل علينا هذا الزمن بما فيه، وفُتحت علينا فيه الثقافات، وغزتنا الأفكار من كل جانب، وهاجت أعاصير العولمة، واهتزت القيم والمبادئ، واضطربت الثوابت؛ صار الحديث عن التربية أشد إلحاحًا من ذي قبل؛ بغية تحصين المجتمع، وتثبيت ثوابته، وحفظ مبادئه وقيمه.
ولئن كان الناس يسعون دائمًا إلى طلب الأفضل في مآكلهم ومشاربهم وملابسهم ومراكبهم ومساكنهم؛ فإن طلب الأفضل في جانب التربية أحق وأوْلى؛ إذ بها تجمُل الحياة وتزين، وتصلح وتستقيم، وبدونها تختفي قيمة المظاهر وتذبل، وتنقلب نقمة لا نعمة.. لأجل هذا كله كان الحديث: (من أجل تربية أفضل) ، أُثير فيه قضايا ملحّة، وألفت النظر فيه إلى جوانب مهمة.. ولا أزعم بهذا الحديث أني استوفيت جميع الجوانب، ولكن حسبي أنها مراجعات لبعض جوانب التربية في مجتمعنا، تُذكّر الناسي، وتنبه الغافل، وتُرشد الجاهل، وتدعو الراغب إلى زيادة البحث، وتعميق النظر والسعي إلى الأفضل.
_ أولًا: ما التربية؟