ـ والتربية التي نريد هي التي يُرسم لها أهداف يتم العمل على تحقيقها؛ إذ إن العمل دون هدف محدد مدعاة إلى التخبط والاضطراب، وتحويل ميدان التربية إلى معمل تكثر فيه الضحايا وسط تجارب مرتجلة. ثم إن العمل دون أهداف إهدار لأنواعٍ من الثروات الدعوية دون عائد كبير، وقد قيل: «إذا خرجت من منزلك دون هدف؛ فكل الطرق توصلك إلى المكان الذي تريد..» ، والمعنى: إن أي مكان تذهب إليه فهو ما تريد؛ لأنك لم تقصد شيئًا بعينه تريد الذهاب إليه.
إننا حين نطالب بوضع أهداف للتربية؛ فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تتحول التربية إلى آلة تجعل كل كلمة لا بد أن تصدر عن هدف وكل تصرف كذلك.. إنه أحيانًا قد يكون من العقل والحكمة وحسن التدبير عمل شيء زائد عن هدف محدد مرسوم، حين يمر عليك مثلًا حدث يستدعي التنفير من العقوق، أو الرحمة بالمسكين، أو التذكير بحسن الخاتمة أو سوئها... أَوَ ليس من العقل والحكمة استغلال الحدث في التأثير وإن لم يكن نوع الحدث من أهدافك المرحلية الحاضرة؟!
ـ والتربية التي نريد هي التي تساعد الفرد على أن يعيش في زمانه، لا خارج زمانه، ولا بعيدًا عن مجتمعه معزولًا عن واقعه، يقبع في وادٍ والناس في وادٍ وشأن آخر.
لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعيش زمانه ويتعامل معه تعامل الخبير الفاحص، لم يكن يجهل تحركات الأعداء، أو تخفى عليه مكائدهم، ولذا كانت استعدادته -صلى الله عليه وسلم- مبكرة، وغزواته أكبر شاهد بذلك، وقد أكد النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك على الصحابة، ودعاهم إلى ضرورة مخالطة الناس والعيش معهم فقال -صلى الله عليه وسلم-: «المسلم إذا كان مخالطًا الناسَ ويصبر على أذاهم؛ خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (2) .