إن البيئة الأوروبية على ما انتابها من الانحلال والميوعة والتسامح ما تزال تنضح بالروح النصرانية على اختلاف مذاهبها. ونتيجة لاجتياح المذاهب الفلسفية المادية لساحتها الفكرية، لقد صارت تشكو فقرها الروحي، وحاجتها إلى دين يروي ظمأها الروحي، ويلقي الروح في كيانها المادي... وهذه كلها أدلة تقضي بخطأ دعاة اللائكية، وفصل الدين عن الدولة في نظمها التربوية وغيرها، وخطر هذه الدعوة وفداحة نتائجها التي ترتبت على العمل بها في المجتمعات الإسلامية. إنه إذا كان من مقتضيات الشريعة الإسلامية السمحاء، والعقل السليم أن تكون الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها؛ فإنه ليس من الشرع ولا من العقل أن نتبع الغرب والشرق فيما وقعوا فيه من أخطاء؛ فصوابهم في علوم الطبيعة والرياضيات لا يلزمنا اتباعهم فيما زلت فيه قدمهم في باب العقائد والمفاهيم والقيم... ونحن إن كنا ننشد الحكمة والعلم والتجارب الصحيحة، فيجب أن نتوخى الصواب في كل الأمور والحق والهدى؛ فأهل الخطأ والزيغ والضلال أحوج إلى اتباع أهل الصواب والحق وليس العكس.
إن المنظومات التربوية الإسلامية ما تأخرت عن ركب الحياة، وعجزت عن تحقيق ما تتم به سعادة الدارين إلا لَمَّا صارت تفتقر الأمة إلى حكمة العلماء؛ فالإشراف على الإصلاح ممن هم أبعد الناس عنه عرَّض الأمة لهدم مُبيَّت، وإفساد تحت شعار الإصلاح.