ويَعِدُ -صلى الله عليه وسلم- ويبشر بالخير ولا يقنّط أحدًا؛ فعن جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ قال: بينما أسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه الناس مقفِلة من حُنين، فعلقت الناس يسألونه، حتى اضطروه إلى سَمُرة، فخطفت رداءه فوقف النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «أعطوني ردائي! لو كان عدد هذه العضاة نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا» (2) .
وكان يبشر أصحابه فيقول: «.. فأبشروا وأمِّلوا ما يسركم؛ فوالله لا الفقرَ أخشى عليكم! ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا، كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» (3) .
القائد أيًا كان وضعه عالمًا، أو موجهًا، أو معلمًا، أو قائدًا عسكريًا لا يحبس شيئًا عن أتباعه، أو يبخل عنهم بشيء، كما أنّه يعطي رجالًا ويترك آخرين لحِكَم يراها مثل قوة إيمانهم، وإخلاصهم، ويقينهم، واستقامتهم، وثباتهم؛ فهو حكيم بنفوس الرجال، يقدّر قدرها، ويعرف كيف يمكن قيادها، وما هي الطريقة المثلى لعلاج ما اعوجَّ من سلوكها، فالقيادة والترؤس ليس تصدُّرًا وظهورًا فحسب، فهذا يسير حتى على الأغمار وصغار الشباب، ولكن الأمر شيء آخر أبعد من ذلك.
لقد كان كرم النبي -صلى الله عليه وسلم- لا لأجل استمالة قلوبهم إلى الباطل، وتزيينه في قلوبهم، وليس لأجل كسب ودّهم وتعاطفهم مع شخصه -صلى الله عليه وسلم- بعيدًا عن وظيفته التي كلفه الله بها، وهي الرسالة السماوية الخالدة، وإنما كان لهدف سامٍ ومقصد غاية في النبل والنقاء؛ وهو تأليفهم على الحق وتقريبهم له حتى يثبتوا وتخالط بشاشته قلوبهم.
? الوقفة الثانية: (المصلحة الشرعية ميزان العطاء والمنع) :