فهرس الكتاب

الصفحة 889 من 1113

إن الله ـ جل في علاه ـ خلق الإنسان، مدنيًا بالطبع، يُوْثِر الاجتماع على العزلة، فتراه يمر في أطوار حياته بين أبوين وإخوان، وأقاربَ وجيران، ومعارفَ وخِلان، وزوجٍ وولدان، وقد حتَّم عليه الشارع حضور بعض العبادات جماعةً؛ وكل هذا يلزم بها أن يتقن فقه التعامل مع الناس؛ حتى يسلمَ من نزَق الطبع، وطيش الحِلم؛ لأنه ـ غالبًا ـ لا يسلم من أن يَجْهلَ، أو يُجْهَلَ عليه.

وإن مُنْعِم النظر في أحوال بعض الناس في هذا الزمان لَيجد أنهم يعانون من انشقاق العصا بينهم، ويلقوْن في ذلك نصَبًا ناصبًا؛ وذلك جرَّاءَ أمور مَهينة، انتهز الشيطان فيها فُرصة، واهتبل فيها غِرة، فصعَّد فيها وصوَّب، فانجلت عن شقاق، وسوء أخلاق.

وإليك أمثلةً ليست من نسج الخيال، وإنما هي من واقع الحال.

فهذا قد شاكس أباه على منعه حقًا له؛ لا يساوي معشار كد والده عليه.

وهذا قد قطَّع أخاه؛ لأجل اختلاف في قسمة ميراث.

وهذا قد فارق زوجه؛ إثر سوء تفاهم بينهما يَرِد مثله في الحياة الزوجية كثيرًا.

وهذا قد ترك حلقته التي يتعلم فيها القرآن؛ لأن أستاذه فيها قسا عليه ـ مرة ـ.

وهذا قد سخط على فلان ـ من جماعة مسجدهم ـ لأنه ـ بزعمه ـ قد ابتلاهم بفتح أجهزة التكييف في المسجد.

وهذا قد هجر جاره؛ لأن ولد جاره خاصم ابنه مرة.

وهذا قد قطع صلة قريبه؛ لأنه تذرَّع به في شفاعة، فلم يشفع، ولم يرفع.

وهذا شكاكٌ مرتاب تكاد مرارته تنفطر من الغيظ، على فلان وفلان، لا لشيء؛ وإنما لأنه كلَّف نفسه ما لم تُكلَّف، فاشتغل بتفسير المقاصد، فهو ثائرٌ على فلان؛ لأنه قال كلمة في مجلس، يظن أنه لا يقصد غيره بها، وهو ساخطٌ على فلان؛ لأنه ـ بزعمه ـ متكبر، وافقه مرة فلم ينظر إليه إلا بطرْف فاتر، وهو منقبض عن فلان؛ لأنه فيما يظهر له ـ يتلظى صدره علىه من الحسد.

وتلك امرأة، تزوي ما بين عينيها ـ دومًا ـ على امرأة ابنها؛ لأنها لم تقم بحقها ـ زعمت ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت