فهرس الكتاب

الصفحة 907 من 1113

والمجاهدة أمر رفيع القدر، عالي المنزلة يحتاج إلى صبر ورباطة جأش، ولذا قال -صلى الله عليه وسلم -: «المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل» (8) . يقول ابن عبد البر: (مجاهدة النفس في صرفها عن هواها أشد محاولة وأصعب مرامًا وأفضل من مجاهدة العدو) (9) ، ويقول ابن بطال: (جهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل، قال الله ـ تعالى ـ: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى....} [النازعات: 40] الآيات) (10) .

وأخبار القوم في مداواة نفوسهم ومعالجة أدوائها أكثر من أن تروى. يقول الثوري: (ما عالجت شيئًًا أشد عليَّ من نفسي، مرة لي ومرة عليَّ) (11) ، وقال: (ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من نيتي؛ لأنها تتغلب عليَّ) (12) . ويقول يونس بن عبيد: (ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من الورع) (12) ، ويقول ابن أبي زكريا: (عالجت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة قلَّ أن أقدر منه على ما أريد) (14) ، ويقول أبو يزيد: (عالجت كل شيء فما عالجت أصعب من معالجة نفسي، وما شيء أهون عليَّ منها) (15) ، ومرة قال: (عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئًا أشد عليَّ من العلم ومتابعته) (16) .

فالنفس عدو منازع يجب على المرء مجاهدتها، وحين يفلح المرء في ذلك فإن إتيان الطاعات يتحول إلى نعيم ولذة، وعندها لا يجد المرء في القيام بها كلفة ومشقة، كما قال ثابت البناني: (كابدت القرآن عشرين سنة، ثم تنعمت به عشرين سنة) (17) ، وكما قال بعض العُبَّاد: (عالجت قيام الليل سنة وتنعمت به عشرين سنة) (18) ، فالأُنس واللذة يحصلان من المداومة على المكابدة مدة طويلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت