وهذه الإضاءة لا تتناول نقد ولومَ من في قلوبهم مرض، ولا يدخل في معناها أعداء الدين والمنافقون، وإنما أعني بها أناسًا سيماهم الصلاح، واختاروا التدين عنوانًا لهويتهم، لكنه العجز والكسل، وربما الهوى أحيانًا يلقي بظله الثقيل عليهم، ليظهروا في الغالب سلبيين في ميدان الدعوة والإصلاح، وعونًا لأعداء الدين والمجتمع في التخذيل. غفلوا عن معنى حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إذا قال الرجل: هلك الناس؛ فهو أهلكهم» . قال أبو إسحاق ـ أحد رجال السند ـ لا أدري أهلَكَهم أو أهلَكُهُم» (1) ، فرُوي بلفظ: أهلَكَهم: أي جعلهم هالكين، لا أنهم هلكوا في الحقيقة، ورُوي بلفظ: أهلَكُهم: أي أشدهم هلاكًا.
قال النووي ـ رحمه الله ـ: «اتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم، وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، وقال الخطابي: معناه: لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم، ويقول: فسد الناس وهلكوا، ونحو ذلك؛ فإذا فعل ذلك، فهو أهلكهم؛ أي أسوأ حالًا منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم، والوقيعة فيهم، وربما أدَّاه ذلك إلى العُجب بنفسه، ورؤيته أنه خير منهم» (2) .
فمثلًا:
1 -الذين يرون التفجير في المجتمعات الإسلامية أسلوبًا أمثل للإصلاح، إنما هو تعبير عن العجز عن طلب العلم والتربية والدعوة، والصبر على ما يلاقي في سبيلها.
2 -ومن يختارون الفرار إلى الاستراحات «البريئة» ، وإمضاء الوقت في النقد والتجريح، والقيل والقال، إنما هو فرارٌ من الصبر على تربية الزوجة والأولاد، ومعايشة همومهم، وتعليمهم، وحمايتهم من الانزلاق في وديان الشبهات، أو مستنقعات الشهوات.
3 -الذين يقللون من شأن العلم والتعلُّم، وأنه لا يسمن ولا يغني من جوع في عصر غلبت فيه المادة، وقيمة الإنسان تصعد وتهبط بما يملك من مال، نسوا أن العلم نور، والجهل ضلال وظلام.