فهرس الكتاب

الصفحة 1185 من 4009

قبل الإجابة عن هذا السؤال أحب أن أنبه على أن حكم التبرك بآثار الرسول صلى الله عليه وسلم باق على مشروعيته، لا يقتصر على الصحابة رضي الله عنهم أو التابعين فقط رحمهم الله تعالى، فإن بركة آثار الرسول صلى الله عليه وسلم باقية فيها، وليس هناك ما يرفعها.

وإجابة عن السؤال الآنف الذكر لابد من بيان الأمور الآتية:

أولًا: جاء في صحيح البخاري رحمه الله عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه أنه قال: (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهمًا ولا دينارًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضًا جعلها صدقة) [1] .

ولا شك أن هذا يدل على قلة ما خلفه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته من أدواته الخاصة.

ثانيًا: وردت أخبار عديدة بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين رحمهم الله، إلى يومنا هذا تدل على حصول هذا التبرك بآثار المصطفى صلى الله عليه وسلم، من قبل بعض الخلفاء والعلماء والصالحين، وإن كان بعض هذه الأخبار ليس صحيحًا، وهذا إما بسبب ضعف في روايته، أو لعدم صحة نسبة الأثر ذاته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الأكثر.

قال صاحب كتاب (الآثار النبوية) بعد أن سرد الآثار المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، بالقسطنطينية - عاصمة الخلافة العثمانية: (لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة، غير أنا لم نر أحدًا من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها من الشكوك) [2] الخ.

ثالثًا: ثبوت فقدان الكثير من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم على مدى الأيام والقرون، بسبب الضياع، أو الحروب والفتن، وغير ذلك.

ومن الأمثلة على هذا ما يأتي:-

1 -جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع منه في بئر أريس، نقشه - محمد رسول الله -) [3] .

2 -فقدان البردة والقضيب في آخر الدولة العباسية حين أحرقهما التتار عند غزوهم لبغداد سنة 656هـ [4] .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفًا عن سلف، وكان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه صلوات الله وسلامه عليه في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الأبصار) [5] .

3 -ذهاب نعلين ينسبان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في فتنة تيمورلنك بدمشق سنة 803هـ [6] .

ومن الأسباب أيضًا لفقدان الآثار النبوية وصية بعض من عنده شيء منها أن يكفن فيه إن كان لباسًا، كما تقدم قريبًا من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، أو يوصي بأن يدفن معه بعد موته، إن كان ذلك الأثر شعرات مثلًا [7] .

(1) رواه البخاري (2739) .

(2) من كتاب (( الآثار النبوية ) )لأحمد تيمور باشا (ص: 78) .

(3) رواه البخاري (5873) ، ومسلم (2091) .

(4) من كتاب (( الآثار النبوية ) )لأحمد تيمور باشا (ص: 27 - 30) .

(5) من كتاب (( البداية والنهاية ) )لابن كثير (6/ 8) .

(6) (( فتح المتعال في مدح النعال ) )لأحمد بن محمد المقري (ص: 363) باختصار.

(7) انظر: (( سير أعلام النبلاء ) )للذهبي (11/ 337) ، (( الآثار النبوية ) )لأحمد تيمور باشا (ص: 82، 84، 85) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت