المبحث الأول: الإيمان حقيقة مركبة
إن أصل الخلاف بين أهل السنة والمرجئة في موضوع العمل هو أن المرجئة لا يقرون بهذه التركيبية، بل يعتقدون أن الإيمان شيء واحد؛ هو تصديق القلب دون سائر أعمال القلب والجوارح ... وهم يوافقون على أن من أتى بجميع أعمال الجوارح الواجبة والمستحبة ظاهرًا، لكن قلبه مع ذلك خال من الإيمان إنه لا يكون مؤمنا - وذلك باستثناء الخلاف اللفظي الذي شذت به الكرامية، حيث يطلق عليه اسم الإيمان - مع إقرارها أنه كافر مخلد في النار، فخالفوا في الاسم لا في الحكم - ولكنهم يخالفون في عكس هذه القضية وهى أن أحدًا لم يعمل عملًا من الأعمال الواجبة والظاهرة قط، حتى أنه لم ينطق بكلمة الشهادة وهو مع ذلك مؤمن كامل الإيمان.
وهي القضية التي ينفي أهل السنة وجودها في الواقع أصلا - كما سنرى -، والفرق بينهما وبين القضية الأولى والتي يقر بها المرجئة من حيث الوجود والعدم يرجع إلى الفرق بين مفهوم الإيمان المفترض وجوده عند الطائفتين، فلما كان الإيمان عند المرجئة هو التصديق على النحو الذي فسروه به - لم يصعب عليهم تصور وجوده مع فقد كل الأعمال الواجبة، لكنه لما كان عند أهل السنة له معنى آخر مركب، لم يتصوروا أن يوجد باطن الإيمان ولا يوجد شيء من ظاهره؛ لأن ذلك من قبيل افتراض وجود الأصل اللازم والعلة التامة، مع انتفاء المجزوم والمعلوم، فهو نفى لتلك العلامة التركيبية المزجية.
وهذا ما قرره السلف كثيرًا؛ كقول أبى ثور في إلزام المرجئة: (أرأيتم أن رجلًا قال: أعمل ما أمر الله به ولا أقر به، أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئا أيكون مؤمنًا؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: ما الفرق وقد زعمتم أن الله عز وجل أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر جاز أن يكون الآخر مؤمنًا - إذا عمل ولم يقر - لا فرق بين ذلك .... ) [1] ، ويمكن تحرير ذلك باستخدام السبر والتقسيم فيقال:
إن تعلق العمل بالإيمان منحصر في أربع حالات لا خامس لها [2] :
أن يجتمعا معًا - أي إيمان القلب وعمل الجوارح.
أن ينتفيا معا.
أن توجد أعمال الجوارح مع انتفاء إيمان القلب.
أن يوجد إيمان القلب مع انتفاء عمل الجوارح.
فأما القضية الأولى فمتفق عليها (مؤمن) .
فأما القضية الثانية فمتفق عليها (كافر) .
أما القضية الثالثة فمتفق عليها (منافق)
وأما القضية الرابعة فمختلف فيها.
فالمرجئة يلحقون حكمها بحكم الأولى، بل يقولون: إن إيمان من تنطبق عليه القضية الأولى كإيمان من تنطبق عليه القضية الرابعة سواء بسواء؛ إذ الأعمال عندهم خارجة عن الإيمان، والإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه -كما سبق بيانه، فهو لدى الاثنين سواء، بل قالوا ما هو أسوء من ذلك؛ وهو إن ارتكاب جميع المحرمات وترك جميع الطاعات لا يذهب شيئًا من الإيمان؛ إذ لو ذهب منه شيء لم يبق منه شيء [3] .
وهذا القدر المشترك بينهم كاف في الرد عليهم جميعا ردًا واحدًا -أي من يعتبر النطق ومن لا يعتبره-.
وأما أهل السنة والجماعة فينفون وجود الحالة الرابعة في الواقع أصلًا؛ بناء على مفهومهم الخاص للإيمان.
فتبين إن فساد تصور المرجئة للإيمان أدى إلى تصور هذه الحالة، وعليه: فبيان خطأ قولهم هذا يستلزم فساد تصورهم للإيمان بلا ريب، وإن الإيمان الذي يتكلمون عنه ويصفونه ليس الإيمان الشرعي بحال.
(1) (( أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ) )، اللالكائي (3/ 851)
(2) وهي قسمة نظرية فقط، وإلا فعلى الحقيقة لا وجود للقسم الرابع.
(3) وهذا ما اتفقت عليه فرقهم، كلها كما سبق بيانه في فصل (( أصول مذاهب المرجئة ) )السابق.