التسلسل: وهو أحد الألفاظ المجملة التي يطلقها المتكلمون.
ولأجل أن يتضح مفهوم هذه اللفظة، ومدلولها، ووجه الصواب والخطأ في إطلاقها إليك هذا العرض الموجز.
أ- تعريف التسلسل: قال الجرجاني: (التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية) [1] .
ب- سبب تسميته بذلك: سمي بذلك أخذًا من السلسلة؛ فهي قابلة لزيادة الحلق إلى ما لا نهاية؛ فالمناسبة بينهما عدم التناهي بين طرفيهما؛ ففي السلسلة مبدؤها ومنتهاها، وأما التسلسل فطرفاه الزمن الماضي والمستقبل.
ج- مراد أهل الكلام من إطلاق هذه اللفظة: مرادهم يختلف باختلاف سياق الكلام، وباختلاف المتكلمين؛ فقد يكون مرادهم نفي قدم اتصاف الله ببعض صفاته، وقد يكون مرادهم نفي دوام أفعال الله ومفعولاته، وقد يكون مرادهم نفي أبدية الجنة والنار، وقد يكون غير ذلك.
د- هل وردت هذه اللفظة في الكتاب، أو السنة، أو أطلقها أحد من أئمة السلف؟ الجواب: لا.
هـ- طريقة أهل السنة في التعامل مع هذا اللفظ: طريقتهم كطريقتهم في سائر الألفاظ المجملة، حيث إنهم يتوقفون في لفظ (التسلسل) فلا يثبتونه، ولا ينفونه، لأنه لفظ مبتدع مجمل يحتمل حقًا وباطلًا، وصوابًا وخطأ.
هذا بالنسبة للفظ.
أما بالنسبة للمعنى فإنهم يستفصلون، فإن أريد به حق قبلوه، وإن أريد به باطل ردوه.
ووبناء على ذلك فإنه ينظر في هذا اللفظ، وتطبق عليه هذه القاعدة: فيقال لمن أطلقوا هذا اللفظ:
1 -إذا أردتم بالتسلسل: دوام أفعال الرب - أزلًا وأبدًا - فذلك معنى صحيح دل عليه العقل والشرع؛ فإثباته واجب، ونفيه ممتنع، قال الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: 107] .
والفعال هو من يفعل على الدوام، ولو خلا من الفعل في أحد الزمانين لم يكن فعالًا، فوجب دوام الفعل أزلًا وأبدًا.
ثم إن المتصف بالفعل أكمل ممن لا يتصف به، ولو خلا الرب منه لخلا من كمال يجب له، وهذا ممتنع.
ولأن الفعل لازم من لوازم الحياة، وكل حي فهو فعال، والله تعالى حي، فهو فعال وحياته لا تنفك عنه أبدًا وأزلًا.
ولأن الفرق بين الحي والميت الفعل، والله حي؛ فلابد أن يكون فاعلًا، وخلوه من الفعل في أحد الزمانين: الماضي والمستقبل ممتنع؛ فوجب دوام فعله أزلًا وأبدًا.
فخلاصة هذه المسألة أنه إذا أريد بالتسلسل دوام أفعال الرب فذلك معنى صحيح واجب في حق الله، ونفيه ممتنع.
3 -وإذا أريد بالتسلسل: أنه تعالى كان معطلًا عن الفعل ثم فعل، أو أنه اتصف بصفة من الصفات بعد أن لم يكن متصفًا بها، أو أنه حصل له الكمال بعد أن لم يكن - فذلك معنى باطل لا يجوز.
فالله عز وجل لم يزل متصفًا بصفات الكمال صفات الذات، وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله اتصف بصفة بعد أن لم يكن متصفًا بها؛ لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص؛ فلا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفًا بضده.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله:(ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه, لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته.
وكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا).
مثال ذلك صفة الكلام؛ فالله عز وجل لم يزل متكلمًا إذا شاء.
ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، ولم يكن معطلًا عنها في وقت، بل هو متصف بها أزلًا وأبدًا.
وكذلك صفة الخلق، فلم تحدث له هذه الصفة بعد أن كان معطلًا عنها.
4 -وإذا كان المقصود بالتسلسل التسلسل في مفعولات الله عز وجل وأنه ما زال ولا يزال يخلق خلقًا بعد خلق إلى ما لا نهاية - فذلك معنى صحيح، وتسلسل ممكن، وهو جائز في الشرع والعقل.
(1) (( التعريفات ) )للجرجاني (ص: 57) .